أميرة عبد الجليل تكتب : *حين تعود الإذاعة… يعود الوطن إلى نبضه*
أميرة عبد الجليل تكتب :
*حين تعود الإذاعة… يعود الوطن إلى نبضه*

بدأت ملامح الحياة تدبّ من جديد في أم درمان، المدينة التي ظلّت عبر التاريخ قلب السودان النابض بالثقافة والوعي والذاكرة الوطنية. عادت معظم المؤسسات لتباشر مهامها، وفتحت أبوابها لاستقبال المواطنين، في رسالة واضحة مفادها أن الإرادة أقوى من الخراب، وأن الأمل لا يُهزم مهما طال الليل. غير أن غياب الإذاعة السودانية عن هذا المشهد يترك فراغًا لا يمكن تجاهله.
فالإذاعة لم تكن يومًا مجرد مبنى أو أجهزة بث؛ كانت صوت الوطن حين يضيق الكلام، وجسرًا يربط الناس ببعضهم في أوقات الشدة قبل الرخاء. منها خرجت أولى بشائر الاستقرار في محطات تاريخية عديدة، وعبر أثيرها تشكّل الوعي الجمعي، وتوحدت المشاعر، وتأكد للناس أن الدولة حاضرة بينهم. لذلك، فإن عودتها اليوم ليست حدثًا إداريًا عاديًا، بل علامة فارقة تعني عودة الأمان، وانتظام الحياة، واستعادة السودان لجزء من روحه.
لقد أثبتت التجارب أن الإعلام الوطني، وفي مقدمته الإذاعة، يلعب دورًا محوريًا في تهيئة المجتمع للمرحلة القادمة. فهو القادر على طمأنة المواطنين، ومحاربة الشائعات، وبناء خطاب يدعو للتكاتف وإعادة الإعمار. ومن دون هذا الصوت الجامع، يبقى المشهد ناقصًا، وتظل خطوات التعافي أبطأ مما ينبغي.
إن التأخير في عودة الإذاعة يثير تساؤلات مشروعة لدى الشارع: ما الذي يمنع مؤسسة عُرفت بالريادة والسبق من أن تكون في طليعة العائدين؟ وما الذي يؤخر صوتًا طالما كان أول المبشرين بالحياة؟ إن المرحلة الراهنة لا تحتمل حسابات ضيقة، ولا تقبل أن تتقدم المصالح الشخصية على المصلحة الوطنية. فالمؤسسات الكبرى تُقاس بمقدار ما تقدمه للناس، لا بما تحققه من مكاسب لفئة أو أفراد.
نأمل أن يكون التأخير لأسباب موضوعية تتعلق بالترتيبات الفنية أو الأمنية، لا نتيجة تجاذبات أو حسابات لا تليق بحجم المسؤولية. فالسودان اليوم في حاجة إلى كل صوت صادق، وكل جهد مخلص، وكل مؤسسة تدرك أن دورها يتجاوز الجدران إلى صناعة الأمل.
إن عودة الإذاعة السودانية ليست مطلبًا عاطفيًا فحسب، بل ضرورة وطنية. فحين ينطلق الأثير من أم درمان مجددًا، سيشعر المواطن أن الوطن بدأ يستعيد توازنه، وأن المستقبل لم يعد فكرة بعيدة، بل واقعًا يتشكل. عندها فقط يمكن أن نقول إن الحياة عادت إلى طبيعتها، وإن السودان يمضي، رغم الجراح، نحو فجرٍ يستحقه شعبه.
فلتكن عودة الإذاعة قريبة… لأن الأوطان لا تكتمل حكايتها إلا بصوتها.
