*خبر وتحليل | عمار العركي* *لمــاذا الآن؟* *قراءة تحليلية في خطاب أمانـي الطويـل*
*خبر وتحليل | عمار العركي*
*لمــاذا الآن؟*
*قراءة تحليلية في خطاب أمانـي الطويـل*

______________________
▪️في توقيت حساس، عادت د. أماني الطويل للكتابة عن الشأن السوداني بذات الاضطراب التحليلي الرغائيبي المُربك، وهذه المرة من زاوية إنسانية، متناولة أوضاع السودانيين في مصر، وموجهة رسائل مباشرة “لوزارة الداخلية المصرية”، “محذّرة من آثار نفسية وإنسانية” لما وصفته بسياسات “رمادية” تجاه اللاجئين.
▪️الطرح في ظاهره إنساني، ومشروع من حيث المبدأ، لكن كان من الأجدى والأصلح لو كان هذا الخطاب عن أوضاع “السودانيين المحاصرين داخل السودان من قبل مليشيا الدعم السريع لفترة تزيد عن عامين”، في ظل أوضاع إنسانية ونفسية أكثر ماسوية وخطورة من تلك المتوقعة “داخل مصر”، وهو ما كانت قد حذرت منه د. أماني الطويل. بالتالي، توقيت وسياق خطاب د. أماني الطويل يفتحان الباب لسؤال ذهني مشروع: لماذا الآن؟ وما الذي تغيّر؟
▪️خلال الأشهر الماضية، شهد المشهد السوداني تحولات واضحة، ميدانيًا وسياسيًا، صبّت في مصلحة الجيش السوداني وقيادته، مقابل تراجع عسكري وسياسي لمليشيا الدعم السريع، وتآكل السردية التي ساندتها قوى وتحالفات إقليمية معروفة.ث، هذه التحولات أعادت ترتيب المزاج العام داخل السودان، ورفعت منسوب الحساسية تجاه كل من تبنّى خطابًا رماديًا تجاه جرائم المليشيا، أو تجنّب إدانتها بوضوح، أو هاجم الجيش السوداني بوصفه “مؤدلجًا” أو “مختطفًا سياسيًا”.
▪️وهنا تحديدًا تُقرأ مواقف د. أماني الطويل الجديدة.
فالدكتورة، التي يأخذ عليها قطاع واسع من السودانيين دعمها السابق لتحالف قحت/صمود، وغياب الإدانة الصريحة للمجازر والجرائم الموثقة التي ارتكبتها مليشيا الدعم السريع، تعود اليوم بخطاب مختلف في النبرة، أقل حدّة، وأكثر اقترابًا من الوجدان السوداني.
▪️الحديث عن “خوف الأمهات”، و”هلع الأسر”، و”الصورة الإنسانية لمصر”، لا يمكن فصله عن محاولة تخفيف الاحتقان وإعادة “بناء جسور مع الرأي العام وعبور للوجدان سوداني” الذي بات أكثر وعيًا وإدراكاً بمن وقف معه، ومن التزم الصمت، ومن اختار المنطقة الرمادية.
▪️لكن، في المقابل، يلاحظ المتابع أن هذا الخطاب الجديد لم يترافق مع مراجعة سياسية صريحة، ولا مع إدانة واضحة لا لبس فيها لجرائم المليشيا، ولا مع اعتراف بدور القوى التي منحتها غطاءً سياسيًا في مراحل سابقة، وهو ما يجعل كثيرين يرون في هذا التحول تغييرًا في اللغة، لا في الموقف.
▪️اللافت أيضًا أن التركيز انصبّ على السياسات الأمنية المصرية، دون الإشارة بوضوح إلى السياق الأمني الأوسع، ولا إلى التهديدات التي واجهتها مصر بسبب موقفها الداعم للشعب السوداني وجيشه، ولا إلى حقيقة أن أي دولة، مهما بلغت إنسانيتها، تبقى ملزمة بحماية أمنها القومي وتنظيم الوجود الأجنبي على أراضيها.
▪️وفي هذا السياق، ليس من باب الدفاع عن وزارة الداخلية المصرية أو تبرير سياسات حكومية بعينها، لكن القراءة الموضوعية للأداء المصري منذ اندلاع الحرب في السودان تُظهر وجود تناغم واضح في إدارة هذا الملف، لا بين وزارتي الخارجية والداخلية فقط، بل بين مختلف مؤسسات الدولة، وحتى على المستوى الشعبي.
▪️فمنذ اليوم الأول للحرب، تعاملت مصر مع الأزمة بوصفها قضية إنسانية وأمنية في آنٍ واحد، ففتحت أبوابها للسودانيين واحتوت تداعيات النزوح الواسع، وفي الوقت نفسه حافظت على مسؤوليات الدولة في التنظيم وحماية الأمن العام، دون أن تظهر تناقضات جوهرية أو ازدواجية في الأدوار.
▪️ومن هذا المنطلق، وحتى إن صحّ ما ذهبت إليه د. أماني الطويل في طرحها، وثبت وجود تجاوزات في التطبيق على الأرض، وبغضّ النظر عن أي مبررات أمنية أو تنظيمية، فإن حجم التهويل الذي صاحب هذا الخطاب لا يتناسب مع طبيعة الإجراءات نفسها، ولا مع السياق العام الذي حكم تعامل الدولة المصرية مع السودانيين منذ بداية الحرب.
> *خلاصة القـول. منتهاه*
▪️في السياسة، لا تُقرأ المواقف فقط بما يُقال، بل بما تم السكوت عنه، وبالتوقيت الذي يُقال فيه الكلام، وإذا كان من حق أي كاتب أو باحث أن يراجع خطابه أو يغيّر زاويته، فإن الرأي العام السوداني، الذي دفع ثمن الحرب دمًا ودمارًا، من حقه أيضًا أن يسأل، وأن يتشكك، وأن يفرّق بين مراجعة حقيقية… ومحاولة تحسين صورة.
> _الكرامة السودانية أبداً لا تنسى اثنين: من أهانها، ومن سكت عن إهانتها._
