*جهازالمخابرات وتسيير القطارات* *عمار العركي*
*جهازالمخابرات وتسيير القطارات*
*عمار العركي*

▪️رقم عودة السودانيين من مصر ليس مجرد رقم عادي فرضته ظروف الحرب، بل هو مؤشر استراتيجي على التحوّل وعودة اتجاه البوصلة الوطنية نحو الداخل، الأرقام التي تتحدث عن عودة مئات الآلاف لا ينبغي قراءتها بوصفها رقماً حسابياً، وإنما باعتبارها كتلة بشرية عائدة تبحث عن دولة كادت تتلاشى، لا عن فراغ يحتضنها ويؤويها.
▪️في هذا السياق، يصبح السؤال أكبر من وسائل نقل البشر، وأعمق من تكلفة التذكرة. هل تترك الدولة عملية العودة لمبادرات فردية متناثرة، أم تتبناها بوصفها عملية سيادية منظمة تعكس استعادة الأمن والسيطرة، وقطع الطريق أمام أي استثمار مضاد للإفرازات السالبة لاستمرار اللجوء والنزوح رغم انتفاء الأسباب والدواعي؟
▪️هنا يبرز دور جهاز المخابرات العامة، لا بوصفه جهاز أمن تقليدياً، بل باعتباره عقل الدولة الذكي و الاستراتيجي القادر على إدارة التحولات الصامتة قبل أن تتحول إلى أزمات صاخبة، واستشعار ضرورة التدخل السريع قبل وقوع الحدث.
فالحدث القادم هو: مئات آلاف السودانيين اللاجئين والنازحين إلى مصر يرغبون في العودة بعد عيد الفطر، لكن انقطعت بهم السبل ولا يملكون تكلفة السفر والعودة إلى الوطن.
▪️وهنا لا بد أن يكون لجهاز المخابرات دور يحقق العديد من المكاسب الإنسانية والاجتماعية في المقام الأول، ثم الأمنية والسياسية في المقام الثاني، من خلال تبني ورعاية تسيير ثلاث رحلات بالقطار من القاهرة إلى الخرطوم.
رعاية تلك الرحلات تحقق رسالة سياسية وأمنية مركبة. فهي إعلان بأن الجهاز، مثلما شارك في القتال والدفاع عن الأرض والعِرض في ميدان الحرب، يتحول بذات الكفاءة والقدرات من إدارة الحرب إلى إدارة نتائجها وآثارها. وهي أيضاً رعاية تعيد ضبط إيقاع العودة، وتمنح المؤسسات السيادية فرصة للإشراف والتحقق والتنظيم.
▪️المسألة ليست دعماً مالياً بقدر ما هي استثمار في الأمن والاستقرار. الكلفة المحدودة لثلاث رحلات تقابلها مكاسب استراتيجية متعددة: تخفيف العبء عن الأسر، رفع الروح المعنوية، توجيه رسالة طمأنة للداخل والخارج، وتعزيز التنسيق المؤسسي بين الخرطوم والقاهرة في ملف حساس يتقاطع فيه الأمني بالإنساني، وقطع الطريق أمام من يحاول تعكير مياه ملف الوجود السوداني في مصر للاصطياد فيها.
▪️كما أن المبادرة تمنح جهاز المخابرات فرصة لإعادة بناء قاعدة بيانات دقيقة للعائدين، ودراسة الحالة، وقراءة التحولات الاجتماعية التي أفرزتها الحرب.
التجارب الدولية تؤكد أن إدارة عودة اللاجئين والعائدين لحظة اختبار حقيقية لهيبة الدولة وسلامة أمنها. الدولة التي تستقبل أبناءها عبر مسارات منظمة، وتتكفل بتهيئة انتقالهم، ترسخ صورتها وتُحترم. وانفراد جهاز المخابرات بهذه الخطوة يعزز من مكانته، ويزيد من الثقة والإحساس بالأمن والاطمئنان كواقع عملي، لا تصريحات وبيانات تُقال وتُكتب.
*خلاصة القول ومنتهاه:*
▪️ليس المطلوب تحويل الجهاز إلى مؤسسة خدمية، بل توظيف قدرته التنظيمية وخبرته العابرة للحدود في إطلاق مبادرة، تعيد رسم العلاقة بين المواطن والدولة وبين المواطن والجهاز . ثلاثة قطارات فقط قد لا تغيّر المشهد العددي، لكنها تغيّر المعنى. والمعاني في زمن الحرب والتحول الذي يسبق الأرقام.
▪️إن تسيير القطارات هنا ليس نقلاً للركاب بقدر ما هو نقل للمرحلة؛ انتقال من زمن التنظير والقول إلى زمن المبادرة والفعل. فهل يبادر جهاز المخابرات العامة ويفعل؟
