منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

*حين يتحول الإعلام إلى خنجرٍ في خاصرة الحقيقة* *د/اميرة كمال مصطفى*

0

*حين يتحول الإعلام إلى خنجرٍ في خاصرة الحقيقة*

*د/اميرة كمال مصطفى* ️

ليس كل ما يُبث إعلامًا وليس كل من يكتب أو يتحدث عبر منبرٍ صحفي هو رسول للحقيقة.
فالإعلام في أصله رسالة وفي جوهره أمانة وفي رسالته الأولى أن يكون عين المجتمع التي ترى بوضوح ولسانه الذي ينطق بالعدل. لكن ما يحدث أحيانًا أن هذه الرسالة النبيلة تنحرف عن مسارها، فتتحول المنابر إلى ساحات لتصفية الحسابات وتصبح بعض الأقلام أدواتٍ تُغمس في الحبر نهارًا وفي الأحقاد ليلًا.
إن أخطر ما يواجه المجتمعات هو “السم في الدسم”؛ خبر يبدو بريئًا في ظاهره، وتحليل يبدو عقلانيًا في صياغته لكنه في جوهره رسالة مسمومة،هدفها النيل من شخص أو تشويه سمعة أو تصفية حسابات لا علاقة لها بالمصلحة العامة.
كثير من الإعلاميين للأسف يظنون أن ما يصل إليهم من معلومات هو الحقيقة الكاملة. فيتلقفون الرواية من مصدرٍ واحد ويقدمونها للناس وكأنها الحقيقة المطلقة، دون أن يتساءلوا
ما دوافع هذا المصدر؟
هل يسعى إلى كشف حقيقة؟ أم إلى الانتقام؟
هل يريد إصلاحًا؟ أم يريد إسقاط خصمٍ أو تشويه صورة منافس؟
فالناس ليست ملائكة، والمصادر ليست معصومة.
بعضها تحركه الخصومات وبعضها تدفعه المصالح، وبعضها تسوقه أمراض المجتمع القديمة: الحسد والغيرة، وحب الإقصاء. وعندما يتحول الإعلامي إلى ناقلٍ أعمى لهذه الروايات، فإنه دون أن يشعر يتحول إلى أداة في معركة ليست معركته.
وهنا تبدأ المأساة.
فبدل أن يكون الإعلام معول بناء وتنمية يصبح معول هدم وتشويه.
وبدل أن يكون منصة للوعى يتحول إلى منصة للتشهير.
وبدل أن يكون ميزانًا للعدل يصبح سيفًا في يد من يريد الانتقام.
والأخطر من ذلك أن بعض الأقلام لا تدرك أنها حين تفعل ذلك فإنها تفقد أهم ما يملكه الإعلامي: المصداقية. فالقلم المأجور قد يحقق ضجيجًا لحظيًا، لكنه يخسر احترام الناس إلى الأبد.
المجتمع لا يحتاج إلى إعلاميين يصنعون الفرائس ولا إلى منابر تلهث خلف الفضائح ولا إلى أقلام تبحث عن الإثارة ولو على حساب العدالة.
المجتمع يحتاج إلى إعلاميين مرشدين، يهدون الناس إلى الحقيقة لا إلى الفتن.
إلى مصححين يضعون الأمور في نصابها، لا إلى من يسكب الزيت على النار.
إلى مساهمين في التنمية، لا إلى من يحولون الإعلام إلى سوقٍ للاتهامات.
فالكلمة مسؤولية، والخبر أمانة والمنبر عهد.
والإعلامي الحقيقي ليس هو من يسبق الآخرين في نشر الخبر، بل من يتثبت قبل أن يتكلم، ويتحرى قبل أن يكتب ويعدل قبل أن يحكم.
وفي نهاية المطاف تبقى الحقيقة بسيطة وواضحة
الدنيا لا تدوم لأحد والمناصب تزول والضجيج يخفت ويختفى لكن الأمانة تبقى في الميزان.
فطوبى لقلمٍ كتب الحق ولو كان مرًّا
وويلٌ لقلمٍ باع الحقيقة بثمنٍ بخس.
لأن الإعلام في نهاية الأمر ليس مهنة فحسب…
بل ضميرٌ يمشي بين الناس.
حفظكم الله ورعاكم

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.