منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

صوت العقل متى سترجعون؟ كتب/ ضياء الدين سيدسمهن

0

 

 

صوت العقل

متى سترجعون؟

كتب/ ضياء الدين سيدسمهن

 

هناك سؤال يبدو بسيطاً، لكنه كل يوم يصبح أكثر إلحاحاً هو متى سترجعون؟

متى يعود الذين خرجوا من السودان اضطراراً، ثم طال بهم المقام حتى تحولت الغربة من ملجأ مؤقت إلى نمط حياة؟ ومتى يدرك كثير من السودانيين أن الحرب، (التي انتهت في الخرطوم والجزيره واجزاء واسعه من كردفان وانحصرت فقط في دارفور والتمرد الي دحر وزوال )مهما كانت آثارها مدمره ، لا ينبغي أن تجعلنا نعتاد الغياب إلى الحد الذي ننسى معه أن هناك وطناً ينتظرنا؟

 

القاهرة اليوم تكاد تكون صورة مصغرة دافعه لهذا السؤال.

فمع الاحترام الكامل لكل من اضطرته ظروف الحرب إلى البقاء خارج السودان، فإن بعض المظاهر التي نراها في وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت مستفزة ومؤلمة في آن واحد. أخبار أوصور فراح، ومناسبات، وأتراح، واحتفالات، وصور لعائلات وأصدقاء ومجتمعات سودانية كاملة تبدو وكأنها تؤسس لحياة جديدة في القاهرة، لا مجرد إقامة مؤقتة إلى حين انجلاء الأزمة يبدو ذلك في البعض لصور احداث ومناسبات تضم رموز مجتمعات سودانيه في مناسبات اجتماعيه مختلفه في القاهره حتى انك لتخال انه لم يتبقى احد في السودان

والأكثر إثارة للتساؤل أن الأمر لم يعد مقصوراً على المواطن العادي الذي يبحث عن الأمان والمعيشة، بل إن بين هؤلاء سياسيين، ورياضيين، واقتصاديين، ورجال أعمال، وأطباء، وأساتذة، ومهنيين، وأصحاب خبرات تحتاجها بلادهم بشدة في هذه المرحلة.

هؤلاء تركوا وراءهم بيوتاً في الرياض، والمعمورة، وكافوري، وضواحي الخرطوم الجميلة، وتركوا خلفهم مصالح وأعمالاً ومؤسسات وعلاقات اجتماعية واقتصادية، ثم اختار بعضهم الاستقرار في مدينة نصر، والمهندسين، ومدينة السادس من أكتوبر.

 

لا أحد يلوم إنساناً على البحث عن الأمان ولا أحد يطلب من أسرة أن تعود إلى بيت لا يزال غير صالح للسكن، أو إلى مدينة لا تتوفر فيها مقومات الحياة.

لكن السؤال هنا مختلف تماماً

هل أصبح المؤقت دائماً وهل سيصبح ابديا؟

وهل نحن أمام عودة إلى السودان عندما تسمح الظروف، أم أننا امام جيل جديد من السودانيين بدأ يتكيف مع فكرة أن الوطن يمكن أن يكون مجرد ذكرى جميلة؟

اعتدنا سابقا علي ان تسافر النعوش من القاهرة الي السودان ليدفن اصحابها في وطنهم اذا توفي احدهم هناك اما الآن فقد تكيف السودانيون مع فكرة الدفن في مدافن بلبيس والسيده عائشه والخانكه وغيرها واصبح لاغلب الاسر السودانيه عزيز مقبور في مصر من اقصاها الي ادناها وتوقفت فكرة النعوش الطائره التي كان لايتقبل اصحابها واهلهم فكرة ان حتى ان يدفنوا تحت ثرى غير ثرى الوطن !!

الأخطر من ذلك أن الزمن لا ينتظر أحداً.

الأعمار تمضي، والأبناء يكبرون في بيئات أخرى، والأعمال تنتقل، والعلاقات تتغير، والأموال تجد لها أسواقاً جديدة، والخبرات التي كان يفترض أن تعود لإعادة بناء السودان قد تجد طريقاً آخر للاستقرار.

 

وما لا ينتبه إليه كثيرون هو أن الوطن لا يُعاد بناؤه بالحنين إليه فقط. حيث لا يمكن أن نعمر الخرطوم من القاهرة، ولا نستطيع أن نعيد الحياة إلى كافوري والرياض والمعمورة بالصور القديمة، ولا أن نعيد تشغيل المصانع والمستشفيات والشركات والملاعب والمراكز الثقافية بمجرد أن نتحدث عن السودان واشوقنا اليه في مجموعات الواتساب ومنصات التواصل.

 

السودان يحتاج إلى عودة أطبائه، ومهندسيه، ورجال أعماله، ورياضييه، ومثقفيه، وأصحاب رؤوس أمواله، وسياسييه، وأصحاب الخبرات فيه.

يحتاج إلى الذين يعرفون كيف يبنون ويديرون عجلة الانتاج .

وليس فقط الذين يعرفون كيف يتحدثون عن البناء.

 

ولست هنا بصدد إصدار حكم أخلاقي على أحد، فالعودة قرار شخصي، والظروف تختلف من شخص إلى آخر.

لكنني أطرح سؤالاً ينبغي أن نواجهه بشجاعة

ماذا لو استيقظنا بعد خمس أو عشر سنوات، واكتشفنا أن الحرب لم تسرق منا البيوت والأموال فقط، بل سرقت أيضاً سنوات من أعمارنا، وفرصاً من مستقبل أبنائنا، وأجيالاً كاملة من علاقتها بوطنها؟

ماذا لو أصبح السوداني الذي كان يقول ( سأعود بعد أن تهدأ الأحوال )يقولها بعد عام، ثم عامين، ثم خمسة أعوام، حتى يصبح الرجوع نفسه فكرة غريبة؟

هناك لحظة يصبح فيها الإنسان لاجئاً من عاداته أكثر مما هو لاجئ من وطنه.

وهناك لحظة تتحول فيها المدينة التي لجأ إليها من محطة انتظار إلى وطن بديل.

وهنا تحديداً يجب أن نتوقف.

 

القاهرة مدينة كريمة استقبلت السودانيين، وقدمت لهم مساحة للحياة في ظروف قاسية، ولا ينبغي أن يتحول نقد ظاهرة الاستقرار الطويل إلى جحود بحق أهلها أو مؤسساتها.

لكن السودان أيضاً ليس مجرد مكان نعود إليه عندما يصبح كل شيء مثالياً (فنحن من يجب ان نصنع منه مكانا مثاليا صالح للعوده لا ان ننتظر غيرنا)

الوطن الذي دمرته الحرب لن يعود كما كان من تلقاء نفسه.

سيحتاج إلى من يضع حجراً فوق حجر.

إلى طبيب يعيد فتح عيادته.

إلى رجل أعمال يعيد تشغيل مصنعه.

إلى مهندس يشارك في إعادة الإعمار.

إلى رياضي يعيد الحياة إلى الملاعب.

إلى سياسي يترك صالونات الخارج ويعود إلى الشارع السوداني.

إلى مثقف يعيد للمدن روحها.

وإلى مواطن عادي يقول هذه بلادي، وسأساعد في إصلاحها ولو بالقليل.

لذلك، فإن السؤال ليس هو هل تستطيعون العودة الآن؟

السؤال الأعمق هو

هل ما زلتم تريدون العودة أصلاً؟

وإذا كانت الإجابة نعم، فمتى؟

فكل يوم يمر ليس مجرد يوم في التقويم.

إنه يوم من أعمارنا.

والزمن وآثاره بخلاف المدن والبيوت، لا يمكن إعادة إعماره

 

اذن متى سترجعون؟

ليس لأن السودان بلا عيوب، ولا لأن الخرطوم أصبحت كاملة الأمان والخدمات، وإنما لأن وطناً بلا أبنائه لا يمكن أن ينهض.

عودوا حين تستطيعون، وساهموا حين تقدرون، وابدأوا ولو بخطوة.

فربما يكون أخطر ما سرقته الحرب منا ليس الوطن وحده

بل إحساسنا بأن العودة إليه ما زالت واجباً وموعداً.

 

من يعود ومن يبني؟

ولعل من الضروري هنا أن نوضح أمراً حتى لا يُساء فهم الفكرة.

إن الذين نراهم اليوم يعودون إلى السودان عبر برنامج العودة الطوعية الذي ترعاه حكومة الأمل هم في غالبيتهم المواطنون البسطاء، والأسر محدودة الدخل، والشرائح التي استصعبت تكاليف الحياة في القاهرة، فلم يعد بمقدورها تحمل أعباء الإقامة الطويلة خارج الوطن.

وهؤلاء يستحقون كل التقدير والاحترام، وعودتهم في حد ذاتها خطوة مهمة، لأن الوطن في النهاية لأبنائه جميعاً.

لكن القضية التي نطرحها في هذا المقال تتعلق بشريحة أخرى.

تتعلق بأصحاب الشركات ورؤوس الأموال ورجال الأعمال وأصحاب المهن والتخصصات، وبمن يملكون القدرة على تحريك عجلة الاقتصاد وإعادة تشغيل المصانع والمؤسسات والعيادات والمكاتب والمشروعات.

فعودة مواطن بسيط إلى قريته أو مدينته مهمة ومقدرة، لكنها من حيث الأثر الاقتصادي المباشر في إعادة الإعمار لا يمكن مقارنتها بعودة صاحب شركة يعيد تشغيل عشرات العاملين، أو رجل أعمال يعيد استثمار رأس ماله، أو طبيب يعيد فتح مركزه، أو مهندس يعود للمساهمة في مشروعات الإعمار، أو مستثمر يعيد تشغيل مصنع أو مشروع متوقف.

لذلك فإن العودة الطوعية لا ينبغي أن تكون مجرد برنامج لإعادة المواطنين من الخارج، بل ينبغي أن تتحول إلى مشروع وطني لاستعادة رأس المال والخبرات والعقول والأعمال.

نحن لا نريد أن يعود الفقراء وحدهم لأنهم لم يعودوا قادرين على تحمل تكلفة الغربة، بينما يبقى القادرون على صناعة الفرق في القاهرة وغيرها.

السودان يحتاج الجميع، لكنه في هذه المرحلة يحتاج بصورة خاصة إلى من يستطيع أن يبني، ويموّل، ويشغّل، ويوظف، ويعيد الإنتاج.

 

فعودة المواطن البسيط تعيد إنساناً إلى وطنه،

أما عودة أصحاب الأعمال ورؤوس الأموال والخبرات، فيمكن أن تعيد جزءاً من اقتصاد الوطن نفسه.

وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً

فمتى سترجعون؟

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.