البعد_الاخر مصعب بريــر راسبٌ بدرجة “عبقري”: هل تحولت الشهادة السودانية إلى مقصلة للعقول؟
البعد_الاخر
مصعب بريــر
راسبٌ بدرجة “عبقري”: هل تحولت الشهادة السودانية إلى مقصلة للعقول؟
هل سألت نفسك يوماً ونحن نقف أمام بائع الخضار في السوق، ماذا لو قرر فجأة أن يزن الطماطم بمسطرة خشبية بدلاً من الميزان؟ ستبدو الفكرة عبثية ومثيرة للسخرية، أليس كذلك؟ فالأدوات الخاطئة لا تعطينا قياساً حقيقياً، بل تظلم السلعة والمشتري معاً. بمرارة شديدة، أقول إن هذا العبث هو ذاته ما نمارسه كل عام، وبدقة متناهية، عندما نقرر أن نقيس عقول أبنائنا.
طوال الأيام الماضية، ضجت المجالس ومواقع التواصل بقصة ذلك الطالب النجيب (ايمن) الذي حصد الدرجات النهائية في كل المواد العلمية المعقدة، لكنه تعثر في اللغة العربية، فكانت النتيجة الرسمية سقوطاً مدوياً وإعادة للعام الدراسي. الأقلام التي تناولت هذه الواقعة انقسمت سريعاً؛ بعضها ركن للعاطفة البحتة وبكى على طموح الفتى المهدور، وبعضها الآخر اندفع ليقلل من شأن لغتنا الأم مبرراً موقفه بالدفاع عن الطالب. لكننا اليوم نبحث عن زاوية مختلفة تماماً، نبحث عن “البعد الآخر” لهذه القضية. المشكلة ليست في أهمية اللغة العربية من عدمها، بل في السؤال الذي نهرب منه جميعاً: هل ما زلنا في حاجة للتمسك بأدوات تقييم أكاديمي قديمة لقياس نجاح وكفاءة المخرجات التعليمية؟ هذا ليس حديثاً عن طالب واحد تعثر، بل هو عما نخسره اليوم بصمت من عقول بسبب إصرارنا على قياس البحر بملعقة.
السبب الأول الذي يراه الجميع في هذه الحادثة هو أن الطالب ببساطة لم يستوفِ شروط النجاح التقليدية، والنتيجة الحتمية كانت رسوبه وإيقاف مسيرته. لكن ما لا يُرى في هذا المشهد، هو أن هذه الصرامة العمياء لها جذور في نظام تعليمي تأسس قبل عقود طويلة، نظام يفترض أن عقول البشر صُبت في قالب مصنع واحد. انظر كيف تسللت هذه النظرة القديمة لتلد لنا أزمة متجددة اليوم؛ نحن نغتال العبقرية العلمية لأنها لم تتقن مهارة نحوية. هذا مثل الرجل الذي يملك سيارة بمحرك جبار يسبق الريح، لكنه يتركها تصدأ في الفناء لأنه لم يجد لها غطاءً باللون الذي يحبه. قد يرى البعض أن القوانين وُضعت لتُحترم وأن الأساسيات لا نقاش فيها، ولكن ألا يتحمل هذا النظام الذي يساوي بين المهندس والشاعر في معايير التقييم الأساسية الجزء الأكبر من الجريمة؟
في عالم اليوم، مؤسسات التربية والتعليم الناجحة عالمياً لم تعد تتعامل مع الطالب كصندوق يجب أن يُحشى بكل المتناقضات. الأدبيات الحديثة في فنلندا وسنغافورة لم تعد تقيم المخرجات بنظام “الكل أو اللا شيء”. هناك، تُبنى نظم التقييم على نظرية “الذكاءات المتعددة”. الطالب الذي يُظهر نبوغاً استثنائياً في الرياضيات والفيزياء، تُفتح له فوراً مسارات التكنولوجيا الدقيقة، ولا تُشكل اللغات أو الفنون عائقاً مميتاً أمام طموحه، بل تدرس كمتطلبات داعمة لا كحبال مشنقة. النظام البريطاني (IGCSE) يتيح للطالب اختيار مواده وفقاً لتخصصه المستقبلي، وكذا تفعل الأنظمة الأمريكية عبر نظام الساعات المعتمدة. هم يستثمرون في نقطة القوة لتتفجر إبداعاً، بينما نحن نستنزف طاقة الطالب وندمره نفسياً في جلد الذات على نقطة الضعف.
طيب، ماذا يعني هذا الكلام للمواطن البسيط الذي يكافح في “سوق ليبيا” تحت حر الشمس ليوفر رسوم مدرسة ابنه؟ كيف سيؤثر هذا التعنت الأكاديمي على لقمة عيشه وشعوره بالأمان في بيته؟ يعني ببساطة أن قطرات العرق، وسنوات “الغربة” القاسية التي يقضيها الآباء بعيداً عن دفء الحوش بحثاً عن الرزق، قد تضيع هباءً في يوم إعلان النتيجة. لا لأن الابن فاشل، بل لأن النظام يرفض الاعتراف بنجاحه المتخصص. نحن نقتل الشغف، ونقذف للشارع بشباب محبطين كان يمكن أن يكونوا أطباء وتقنيين ينقذون اقتصاد الوطن، فقط لأنهم لم يحفظوا قواعد الإعراب كما يجب.
تحديث معاييرنا لتبني التخصص المبكر لم يعد ترفاً أكاديمياً نناقشه في الندوات الفاخرة، بل هو طوق نجاة لوطن يتسرب مستقبله من بين أصابعه. يجب أن نتبنى تقييماً يرى الطالب كبصمة فريدة، لا كنسخة كربونية.
بعد اخير:
خلاصة القول، هنا، تتجمع كل هذه الخيوط لتشير إلى حقيقة واحدة مُرّة في واقعنا. نحن لا نعاني من أزمة في ذكاء أبنائنا، ولا في قدرتهم على تطويع علوم العصر. أزمتنا الحقيقية تكمن في تلك العقلية الإدارية التي تقف كحارس عجوز على باب المستقبل، ترفض إدخال أي عقل لا يرتدي ثياب الماضي.
أخيراً، عندما نصر على تحطيم الموهبة بحجة الحفاظ على هيبة القالب القديم، فنحن لا نحمي التعليم، بل نؤسس لجهل مقنن نتباهى به. الضوء في آخر النفق ليس قطاراً قادماً ليدهسنا، ولكنه لن ينير دروبنا أبداً، طالما أننا نصر على إغلاق أعيننا بقوة القانون وتقديسنا لنظم التقييم البالية.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.
ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
البُعد_الآخر | مصعب بريــر
musapbrear@gmail.com
