قرية دلوت .. منارة الصمود و النجاح ================ ✍️*كتب/ حسن البصير
قرية دلوت .. منارة الصمود و النجاح
================
✍️ كتب/ حسن البصير

▪️في شرق الجزيرة، حيث تتعانق الأرض مع التاريخ، تقف قرية دلوت شامخة كمنارة للصمود والنجاح، تروي للأجيال حكاية قرية أبت إلا أن تكون في مقدمة الصفوف حين نادى الواجب. فعند اجتياح مليشيات الجنجويد الغاشمة للمنطقة، لم يرتجف أهل دلوت ولم يساوموا على الأرض والعرض، بل هبّوا هبة رجل واحد، يقاتلون ببسالة نادرة ودافعوا عن ديارهم بصدور عارية وقلوب مؤمنة، وشكّلوا أقوى وأشرس كتيبة من الفدائيين، سطّرت بدمائها ملاحم بطولية وشاركت بقوة وحسم في تحرير الجزيرة، لتثبت أن الكرامة لا تُشترى وأن الأرض لا يحميها إلا أبناؤها الأوفياء.
▪️وقد حضرتُ في معية وفد المقاومة الشعبية برئاسة اللواء ركن سفيان علي أحمد جربان، لتكريم وتهنئة النابغة رحيق يوسف عوض السيد، حفيدة الرجل الرمز والمجاهد الشيخ رفيده، والتي حققت المرتبة الأولى على مستوى الولاية في المدارس الحكومية. وما إن وصل الوفد حتى وجدناها فرحة غامرة لأهل دلوت الذين هرعوا إلى بيت الطالبة مستقبلين الوفد بالزغاريد والتهليل، في مشهد يجسد التلاحم والوفاء، وكأن القرية كلها تحتفل بابنتها التي رفعت اسمها عالياً.
▪️إن ما حققته رحيق ليس مجرد تفوق دراسي، بل هو آية في الإصرار وبرهان ساطع على نبوغ أصيل. فهذه الزهرة اليانعة، المتفوقة النابغة، المتسلحة بالعلم والعزيمة، أثبتت أن الإرادة تهزم المستحيل، وأن العقل النيّر لا تحجبه ظروف الحرب ولا قسوة النزوح. لها منا أطيب عبارات الثناء والتقدير، فهي فخر دلوت وتاج شرق الجزيرة، ونموذج مشرف للفتاة السودانية المكافحة.
▪️إن نجاح رحيق عبر مدرسة حكومية في منطقة خارجة من نزوح وحرب أثّرت بعمق في البنية والبيئة التعليمية، يفرض علينا وقفة تربوية علمية جادة. فمن منظور أكاديمي، يُعد هذا التفوق مؤشراً على أن الكفاءة الكامنة لدى المتعلم الريفي لا تنقصها القدرة بل تنقصها العدالة في توزيع الموارد. وقد دقّ تربويون ناقوس الخطر إزاء ظهور نتائج هذا العام المرتفعة في المدارس الخاصة مقابل تراجع عام في الحكومية، مما يكشف عن خلل بنيوي في التعاطي بين التعليم الخاص الموجه لذوي الإمكانيات، والتعليم العام الذي تتبناه الدولة. إن تحقيق مدرسة دلوت الثانوية لهذا المركز المشرف، وحصول الطالبة على الأولى محلياً والأولى على الحكومي في ولاية الجزيرة، يؤكد أن الاستثمار في المعلم والبيئة المدرسية الحكومية هو الضمان الحقيقي لتكافؤ الفرص.
▪️ومن هنا، ندعو السلطة على المستوى المركزي والولائي إلى الاهتمام الجاد بالتعليم الحكومي في الريف، وإلى الاهتمام بشرق الجزيرة الذي قدّم الشهداء والفدائيين، واليوم يقدم النوابغ والمتفوقين، فهو يستحق أن يُكافأ بالتنمية والرعاية لا أن يُنسى بعد التضحية.
