البعد_الاخر مصعب بريــر مستشفى “عبودة” للقلب يُدشّن عصر القضارف العلاجي ..!
البعد_الاخر
مصعب بريــر
مستشفى “عبودة” للقلب يُدشّن عصر القضارف العلاجي ..!
في أوقات الشدائد، يميل الناس عادةً إلى التفكير في الحدود الضيقة للنجاة اليومية؛ يبحثون عن الأمان العاجل ولقمة العيش، ويؤجلون الأحلام الكبيرة إلى وقتٍ لاحق. لكن الملاحظة الدقيقة للواقع السوداني تخبرنا دائمًا بأمرٍ مختلف: إن أكثر الأفكار عمقًا وأبقاها أثرًا هي تلك التي تنبت في المساحات الضيقة وسط العاصفة. وفي القضارف، المدينة التي لم تتأخر يومًا عن فتح بيوتها للجميع، يحدث أمرٌ أكبر من مجرد الاستجابة لما تمليه ظروف اللحظة؛ هناك أمل جاد يُبنى في الصمت.
هذا ليس حديثًا عن استجابة إنسانية عابرة، بل عن تحول استراتيجي يصنع فارقًا ملموسًا بين الحياة والموت. ما يحدث باختصار هو اكتشاب القضارف لملامح دور جديد كعاصمة علاجية؛ يكتمل غزلُه اليوم بافتتاح “مستشفى عبدالكريم عبودة لأمراض وجراحة القلب”، مجهزًا بأكبر وحدة عناية مركزة للقلب (CCU) وبجهاز قسطرة حديث، إلى جانب منظومة تشخيصية اكتملت بالرنين المغناطيسي والأشعة المقطعية، والتمهيد لمستشفى الشرق للأورام. إنها ليست احتفالية قص شريط، بل هي بداية حقيقية لتوطين الطب المعقد في الولايات، ولماذا يهم هذا الآن؟ لأنه يخاطب ألمًا يوميًا نزيفه يسيل من أجساد المرضى وجيوب أسرهم بصمت.
السبب الظاهر الذي يراه الجميع في هذا الإنجاز هو الرقم المالي؛ ملايين الدولارات التي جُمعت بشراكة ذكية بين عطاء أهلي سخي قدمته أسرة الراحل عبدالكريم عبودة، وجهد حكومي متكامل وفر المعدات والتأثيث للبنية التحتية ومساهمات مقدرة من أبناء حي “أبايو”. والنتيجة المباشرة لهذا التضافر طبيعية وواضحة: تمزيق فاتورة السفر الشاقة، وتوفير تدخلات طبية دقيقة كانت تتطلب في السابق الانتقال إلى العاصمة أو السفر لخارج البلاد.
لكن ما لا يُرى للوهلة الأولى—وهو مربط الفرس—أن هذه الخطوة تكسر حلقة مفرغة عاشها المواطن لعقود؛ حيث كان نقص الخدمة الطبية في الولايات يولد ضغطًا على العاصمة، والضغط يعطل التنمية، والتنمية الناقصة تعيد إنتاج الفقر والنزيف الاقتصادي. انظر كيف تسللت هذه المبادرة الأهلية لتضع اللبنة الأولى لمفهوم غائب: “السياحة العلاجية”. القضارف اليوم، بقربها الجغرافي من دول الجوار الإفريقي، وبنيتها التشخيصية والمتخصصة المتنامية، لا تقدم خيارًا استشفائيًا للمواطن السوداني فحسب، بل تملك كل المقومات لتكون وجهة إقليمية للاستشفاء تُبقِي الملايين من العملات الصعبة داخل الحدود، تمامًا كما فعلت تجارب دول كالأردن وتونس حين حولت الصحة إلى مشروع سيادي ذكي.
هذا التحليل ليس تحليلاً في الهواء، بل هو قراءة متأنية لما يعنيه هذا الصرح للمواطن العادي. معناه لرب الأسرة الذي يستيقظ عند منتصف الليل على ألم طارئ في صدر والده، ألا يفكر في كلفة الطيران أو البحث عن معارف في الخارج، بل أن يجد القسطرة والعناية المركزة على بعد دقائق من بيته. ومعناه أن القطاع الخاص والخدمات الفندقية والبنية التحتية بالولاية باتت أمام فرصة تاريخية للتفكير خارج الصندوق، وجعل الخدمات العلاجية محرّكًا للاقتصاد المحلي بأكمله ضمن خطط المستقبل.
وهكذا، نصل إلى اللحظة الحاسمة التي تتجمع فيها كل هذه الخيوط لتضعنا أمام حقيقة واضحة: إن ما حدث في القضارف لم يكن مجرد افتتاح مستشفى متخصص، بل كان تذكيرًا عمليًا بكيفية بناء الأوطان حين يتكامل وعي المجتمع مع مسؤولية الدولة.
بعد اخير:
خلاصة القول، نحن لم نكن نخسر معاركنا السابقة بسبب قلة الموارد أو صعوبة الظروف فحسب، بل بسبب استسهال الفكرة القائلة بأن العلاج والحلول يجب أن تأتي دائمًا من البعيد. ما قدمته القضارف اليوم يثبت أن الأمل ليس أمنية معلقة في الفراغ، بل هو قرار واعي يتخذه المجتمع حين يقرر أن يزن أفعاله بميزان الأثر لا بميزان العجز.
أخيرًا، حين تتوقف الشعوب عن انتظار المعجزات، وتبدأ في تشييد عافيتها بأيديها، تتغير قواعد اللعبة تمامًا. فالأمم لا تبرأ من آلامها حين تتلقى الدواء كمنحة من الآخرين، بل حين تكتشف أن علاج قَلبِها… كان دوماً ينبع من داخل حوشِها.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.
ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الاثنين | 27 سبتمبر 2026م
musapbrear@gmail.com
