منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

العفو.. سيرةٌ تبقى في التاريخ ================ بقلم ✍️: حسبو علي بخيت

0

العفو.. سيرةٌ تبقى في التاريخ
بقلم ✍🏼: حسبو علي بخيت


من المواقف التي ينبغي أن يحفظها السودان للمشير عمر البشير ـ فك الله أسره، وكتب له السلامة والشفاء العاجل ـ أنه لم يكن يخلط بين الخصومة السياسية والمواقف الإنسانية، ولم يجعل السياسة جدارًا يحجب العفو عن رموز السودان وخصوم السياسة.
كان يذهب إلى خصومه في الأفراح والأتراح، ويعاملهم معاملة ابن السودان الأصيل؛ لأن الخصومة عنده كانت في السياسة، لا في المروءة والشهامة وأداء الواجب.
لقد أكرم المشير جعفر نميري، وأعاده إلى السودان عزيزًا مكرمًا، ووفّر له السكن الرئاسي بكافوري، والسيارات والمراسم والحراسة والمخصصات التي تليق به كرئيس دولة سابق وقائد أعلى للقوات المسلحة يحمل رتبة المشير. وحين رحل نميري، أُعلن الحداد عليه، وأقيمت له جنازة تليق بمقامه.
وعندما توفي السيد أحمد الميرغني، أوفد الطائرة الرئاسية لنقل جثمانه، وحضر تشييعه داخل مسجد السيد علي في بحري.
وأكرم الأستاذة فاطمة أحمد إبراهيم وأعادها من لندن لتقضي باقي عمرها في حضن الوطن ويحتضن جثمانها أرض السودان.
وعفا عن عبدالعزيز عشر، رغم دخوله الخرطوم بعربات مسلحة في محاولة لإسقاط النظام، كما عفا عن عدد من منسوبي حركة العدل والمساواة. وعفا عن صلاح قوش بعد محاولته الانقلابية.
وفي إحدى المناسبات الاجتماعية، بلغه أن والدة عمر الدقير مشتاقة لرؤية ولدها المعتقل لدى جهاز الأمن والمخابرات، فأمر بإطلاق سراحه.
هذه المواقف اثبتت بما لايدع مجالا للشك أن المشير البشير، مهما اختلف الناس أو اتفقوا حول تجربته السياسية، كان يستمد معاملة خصوم السياسة من قبس القرآن وآيات الذكر الحكيم وقولة تعالي:
﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾
وكان بحرا من التسامح والتراحم والسخاء، وكان يرى أن الخصومة السياسية والفكرية لا ينبغي أن تقتل التسامح بين أفراد الشعب السوداني، وأن السلطة لا تُسقط المروءة، وأن العفو عند المقدرة من شيم الكبار ومن صفات أهل السودان.
يا رئيس مجلس السيادة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، لقد حان الوقت لتسجل اسمك في قائمة الشرف والعفو السوداني؛ إن السلطة ظلٌّ زائل، أما المواقف فتبقى على صفحات الزمن ، والتاريخ لا يحفظ للرجال مواقعهم بقدر ما يحفظ لهم مواقفهم في العفو والتسامح والمكرمات ورد الجميل.
فاجعل العفو موقفًا يُضاف إلى سجلك في الشجاعة والسماحة، لقد استطعت أن تقهر مليشيا حاولت اختطاف الدولة السودانية بقوة السلاح، كمل جميلك وأخرج قلمك الأخضر، واعفُ عن المشير عمر البشير؛ فالرجل كان قائدا للقوات المسلحة السودانية ووصل إلى رتبة مشير وأثقلته السنون، وأقعده المرض، واشتعل رأسه شيبًا، ويستحق ـ تقديرًا لرتبته العسكرية وتاريخه في قيادة القوات المسلحة ـ يستحق معاملة تليق بمقامه وبوصفة كان قائدًا للقوات المسلحة السودانية ورئيسا سابق للدولة السودانية.
إن كان العفو قد اتسع ليشمل (النور قبة والسافنا وبقال) الذين حاولوا اختطاف الدولة السودانية بقوة السلاح وتسببوا في تدمير السودان ونزوح أهله، فإن العفو عن رجل حكم السودان ثلاثة عقود، ويحمل رتبة المشير، ليس كثيرًا عليه، ولا على من بيده اليوم القلم واتخاذ القرار.
فالسلطة تزول، وأما العفو فيبقى سيرةً مدى الحياة، والسماحة تُكتب في التاريخ قبل أن تُكتب في الأوراق.
إن العفو ليس ضعفًا، ولا انكسارًا، ولا تنازلًا عن الحق؛ وإنما قوة وحكمة حين تكون الخصومة السياسية قد بلغت مداها. فالسياسة تتبدل، والسلطة تزول، أما عدم الفجور في الخصومة، والعفو عند المقدرة، فهما من المواقف التي تبقى في ذاكرة الشعوب، ويُكتبها التاريخ على صفحاته بمداد النور وأحرف الذهب.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.