وَرَعُ حَامِلِ القُرْآنِ وَتَقْوَى خَطِيبِ المِنْبَرِ بقلم ✍🏼:حسبو علي
وَرَعُ حَامِلِ القُرْآنِ وَتَقْوَى خَطِيبِ المِنْبَرِ
بقلم ✍🏼:حسبو علي

ماذا لو وقف القرآن يوم القيامة أمام من كان يحمله، وقال: حفظتَ القرآن ولم تتدبَّر حروفي، فأين أخلاقي؟ وتلوتَ آياتي، فأين عملي؟ وعظتَ الناس بي، فأين قلبك من الوعظ والإرشاد؟
وماذا لو نطق المنبر الذي طالما ارتفع عليه صوت الواعظ، فقال: يا رب، كان يصعد إليَّ داعيًا إلى التقوى، ثم ينزل إلى الدنيا سائرًا في غير طريقها؟! إنَّه الخسران المبين!!!
أيُّ رعبٍ أعظم من أن يكون لسانُ الرجل شاهدًا له أمام الناس، ثم تكون جوارحُه شاهدًا عليه أمام الله يوم القيامة؟ وأيُّ خسارةٍ أفدح من أن يُبكي الخطيبُ الناسَ، ثم يعود إلى نفسه فلا يبكي من خشية الله على قلبٍ فاجر، أو ذنبٍ أصرَّ عليه، أو حقوقٍ انتهكها وأكلها، أو أمانةٍ خانها؟
هناك فرقٌ هائل بين أن تحمل القرآن، وأن يحملك القرآن؛ وبين أن تحفظ الآيات، وأن تحفظك الآيات من الزلل؛ وبين أن تقف على المنبر واعظًا للناس، وأن تقف بين يدي الله وقد وعظتَ نفسك قبلهم.
إنَّ للقرآن حرمةً لا تُصان بحسن التلاوة وحدها، وللعلم أمانةً لا تُؤدَّى بكثرة الكلام، وللمنبر هيبةً لا تليق بها وجاهةٌ ولا شهرة. فالقرآن ليس حروفًا تُرتَّل ثم تُنسى، ولا أصواتًا تُجوَّد ثم تنطفئ؛ إنما هو نورٌ إذا دخل القلب أضاءه، وأدبٌ إذا استقر في النفس هذَّبها، وعهدٌ إذا صدق العبد معه غيَّر وجه حياته.
قال الله تعالى:
﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
يا حامل القرآن، قبل أن تحمل المصحف في يدك، احمله في قلبك؛ وقبل أن تقرأ آياته على الناس، اقرأها على نفسك وتدبَّرها؛ وقبل أن تدعو الناس إلى التقوى، اجعل التقوى لباس سريرتك وعلانيتك.
فما القرآن حروفًا تُرتَّل فحسب، ولكنه عهدٌ مع الله، وميزانٌ للنفس، وطريقٌ إلى الحق. ومن حمل ألفاظه ولم يحمل أخلاقه، فقد حمل الحفظ وضيَّع الثمرة، وحفظ السور وضيَّع الحدود.
وما أخطر أن يكون الواعظ للناس غافلًا عن موعظة نفسه؛ يرفع صوته بالحق، ثم تخفض أفعاله رأسها أمام الباطل؛ يُحدِّثهم عن الأمانة ولسانه لا يملكها، وعن العفة وعينه لا تصونها، وعن العدل ويده لا تعرفه، وعن الآخرة وقلبه يحمل الضغائن والغلَّ والحسد لكل الناس!
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾.
الله أكبر!
﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ كلمةٌ لو استقرَّت في قلب خطيبٍ لأقضَّت مضجعه، وأورثته خوفًا من أن يكون لسانه شاهدًا عليه بدل أن يكون شاهدًا له.
فالمنبر ليس عرشًا للوجاهة، ولا سُلَّمًا إلى الشهرة، ولا مسرحًا لاستعراض الفصاحة؛ إنَّه مقامُ أمانة، يقف عليه الرجل متحدثًا باسم الحق، فليحذر أن يجعل من المنبر جسرًا إلى الدنيا، ثم يكتشف يوم القيامة أنَّه كان يصعد في أعين الناس ويهبط في ميزان الله.
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن رجلٍ يأمر بالمعروف ولا يأتيه، وينهى عن المنكر ويأتيه، حتى يكون عذابه شاهدًا على التناقض بين قوله وفعله. فليست المصيبة أن يخطئ الإنسان؛ فالإنسان خطَّاء، ولكن المصيبة أن يجعل من خطئه مذهبًا، ومن موعظته ستارًا، ومن علمه حُجَّةً على الناس دون أن تكون حُجَّةً على نفسه.
يا خطيب المنبر، إنَّ الناس يسمعون صوتك، والله يعلم سريرتك؛ والناس ينظرون إلى وقفتك، والله ينظر إلى قلبك؛ والناس يحفظون خطبتك، والملائكة تحفظ عملك. فلا تجعل بين لسانك وجوارحك خصومةً، ولا بين مواعظك وحياتك مسافةً لا تحوي الصدق في القول.
كُن قرآنًا يمشي على الأرض: رحمةً في علاقتك، وعدلًا في معاملتك، وأمانةً في حركتك وسكونك، وعفَّةً في بصرك، وصدقًا في وعدك، وطيبًا في لسانك، وتواضعًا بين الناس.
إنَّ شرف حامل القرآن ليس أن يُقال: ما أجمل صوته! ولا أن يُقال: ما أبلغ خطبته! وإنَّما الشرف كلُّ الشرف أن يكون القرآن شاهدًا له؛ لأنَّه حمله فرفعه، وحفظه فحفظه، وتلاه فامتثل أمره.
فحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم؛ فإنَّ يومًا آتٍ تُبلى فيه السرائر، وتسقط الأقنعة، ولا يبقى للعبد صوتٌ يرفعه، ولا شهرةٌ تنجيه، ولا منبرٌ يشفع له؛ وإنَّما يبقى عملٌ صادق، وقلبٌ خاشع، ورحمةٌ أودعها الله في صحيفة العبد.
فاللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وحُجَّةً لنا لا علينا؛ وارزق حملته صدق العمل، وورع القلب، وخشية السر والعلن، واجعل منابرنا منابر هدى، وألسنتنا ألسنة حق، وأعمالنا تصديقًا لما نقول.
فما أجمل أن يتكلم اللسان بالقرآن، وما أصدق أن تتكلم الجوارح بالقرآن؛ فهناك فقط يصبح حامل القرآن حاملًا لرسالته، ويصبح خطيب المنبر شاهدًا بالحق، لا خطيبًا على الناس.
