سنا الحقيقة لصوص الليل في الخرطوم.. حين يصبح الظلام مصدر خوف جديد للمواطن د. أميرة كمال مصطفى
سنا الحقيقة
لصوص الليل في الخرطوم.. حين يصبح الظلام مصدر خوف جديد للمواطن
د. أميرة كمال مصطفى🖊️
من قلب الخرطوم، ومن أحيائها المختلفة في أم درمان والخرطوم وبحري تصلنا في الآونة الأخيرة شكاوى متزايدة ومقلقة من انتشار ظاهرة ما يُعرف شعبيًا بـ (لصوص الليل)
وما يجعل الأمر أكثر خطورة أن هذه الشكاوى لا تأتي من بعيد وإنما من أهل وأصدقاء موجودين داخل الخرطوم وفي قلب الحدث يعيشون تفاصيل هذه الظاهرة ويتابعون ما يحدث في أحيائهم ليلًا.
ففي أحياء من أم درمان من بينها حي العمدة والركابية وود نوباوي وغيرها تتردد شكاوى عن عمليات سرقة ليلية بعضها يتم تحت التهديد بالسلاح الناري أو الأسلحة البيضاء وهو أمر يجعل القضية تتجاوز حدود السرقة العادية لتصبح قضية تمس أمن المواطن وحياته وسلامة أسرته.
المشكلة ليست في المسروقات وحدها
قد تكون المسروقات هاتفًا محمولًا أو جهازًا أو شيئًا يسهل حمله وإخفاؤه وقد تمتد السرقة إلى محتويات المنزل عندما يكون خاليًا من أهله.
لكن الخطر الحقيقي ليس في قيمة الشيء المسروق.
الخطر أن يصبح المواطن مهددًا في منزله وأن يتحول الليل من وقت للراحة إلى وقت للخوف والحذر.
والأخطر أن بعض اللصوص وفق الإفادات التي تصل من المواطنين، يحملون أسلحة نارية أو بيضاء، وقد يستخدمون التهديد لإجبار الضحية على الاستسلام.
وهنا يجب أن نقول بوضوح
لا توجد ممتلكات في الدنيا تستحق أن يخاطر الإنسان بحياته من أجلها.
ولا ينبغي أن يُطلب من المواطن الأعزل أن يواجه شخصًا يحمل سلاحًا.
ظروف الحرب صنعت واقعًا جديدًا
قبل الحرب كان كثير من الناس يقضون الليل داخل غرف مغلقة ومع استقرار الكهرباء نسبيًا كان من الممكن استخدام المكيفات أو المراوح.
أما اليوم، ومع انقطاع الكهرباء وعدم استقرارها فإن كثيرًا من الأسر تضطر إلى النوم في الحيشان والأفنية بحثًا عن الهواء، وهو ما يجعلها أكثر عرضة للتسلل والسرقة.
وهكذا أصبحت آثار الحرب لا تظهر فقط في الخراب والنزوح وانقطاع الخدمات وإنما تظهر أيضًا في تفاصيل الحياة اليومية داخل المنزل.
المواطن يريد فقط أن ينام بأمان، لكن الظروف المحيطة به أصبحت أكثر تعقيدًا.
الدوريات وحدها لا تكفي
لا شك أن وجود الدوريات الأمنية يمثل عنصرًا مهمًا في الحد من الجريمة لكن اتساع الخرطوم وكثرة أحيائها وأزقتها يجعل المهمة صعبة إذا اقتصرت الدوريات على الشوارع الرئيسية.
فالخرطوم ما هى شوارع رئيسية فقط.
هناك أزقة وممرات وأحياء داخلية يمكن أن يستغلها الخارجون عن القانون ولذلك فإن معالجة الظاهرة تحتاج إلى انتشار أمني أكثر مرونة يعتمد على معرفة طبيعة كل منطقة وأوقات ارتفاع البلاغات فيها
كما أن وجود الدورية في منطقة لفترة قصيرة لا يعني بالضرورة أن المنطقة أصبحت آمنة طوال الليل.
المطلوب هو تغطية أمنية مستمرة وذكية وان لا يكون مرور عابر.
وماذا عن الجهد الشعبي؟
الحديث عن دور المجتمع مهم لكن يجب أن نكون واقعيين.
المواطن الذي يعلم أن الشخص الذي أمامه قد يكون مسلحًا بسلاح ناري أو سلاح أبيض لن يغامر بسهولة بحياته أو حياة أسرته.
لذلك فإن المطلوب بناء شراكة آمنة بين المجتمع والجهات الأمنية.
يمكن للمواطن أن يرصد ويبلغ ويمكن للجان الأحياء أن تنقل المعلومات ويمكن أن تكون هناك قنوات اتصال واضحة وسريعة لكن مهمة التعامل مع المسلحين والقبض عليهم يجب أن تظل للجهات المختصة.
نريد مجتمعًا متعاونًا مع الأمن لا مجتمعًا مسلحًا في مواجهة بعضه البعض.
هل نحتاج إلى تنظيم الحركة ليلًا؟
في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها العاصمة من حق المجتمع أن يناقش كل الخيارات التي يمكن أن تساعد في حماية الأرواح.
ومن بين الخيارات التي يمكن للجهات المختصة دراستها وفق الحاجة وطبيعة كل منطقة: تنظيم الحركة ليلًا أو فرض حظر تجوال مؤقت في الساعات الأكثر خطورة مع مراعاة المرضى والأطباء والعاملين وأصحاب الحالات الطارئة والخدمات الأساسية.
فحظر التجوال إن تم اللجوء إليه، لا ينبغي أن يكون هدفًا في حد ذاته وإنما إجراء أمني استثنائي ومحدد ومدروس يمكن مراجعته وفق تطور الوضع.
وماذا عن الدراجات النارية؟
لقد شعر كثير من المواطنين بقدر أكبر من الاطمئنان خلال فترة حظر قيادة الدراجات النارية ثم عاد القلق لدى البعض بعد رفع الحظر خشية أن تُستغل الدراجات في عمليات السرقات السريعة التي عُرفت في فترات سابقة باسم (تسعة طويلة)
وهنا لا بد من التوازن.
فالدراجة النارية وسيلة مهمة لكثير من المواطنين وأصحاب الأعمال، ولا ينبغي أن يعاقب الاستخدام المشروع بسبب الاستخدام الإجرامي.
لكن يمكن للجهات المختصة دراسة تنظيم حركة الدراجات النارية ليلًا، وتشديد الرقابة على الاستخدام غير المشروع ووضع ضوابط تتناسب مع الظروف الأمنية في المناطق المتضررة.
ماذا نحتاج الآن؟
نحتاج إلى حزمة متكاملة من الإجراءات، من بينها:
أولًا: تكثيف الدوريات الليلية داخل الأحياء، وليس فقط في الشوارع الرئيسية.
ثانيًا: تقسيم المناطق إلى قطاعات أمنية صغيرة بحيث تكون هناك تغطية واضحة لكل منطقة.
ثالثًا: زيادة الانتشار في الساعات التي تكثر فيها البلاغات، خصوصًا قبيل الفجر.
رابعًا: توفير وسائل اتصال سريعة بين الأحياء والجهات الأمنية لاستقبال البلاغات والاستجابة لها.
خامسًا: تحسين الإنارة في الشوارع والممرات والمناطق المظلمة قدر الإمكان.
سادسًا: دراسة تنظيم حركة الدراجات النارية ليلًا بما يحقق التوازن بين احتياجات المواطنين ومتطلبات الأمن.
سابعًا: دراسة حظر تجوال مرن ومؤقت في المناطق أو الفترات التي تستدعي ظروفها ذلك، مع استثناء الحالات الإنسانية والخدمات الضرورية.
ثامنًا: تشديد الإجراءات القانونية ضد من تثبت مشاركته في جرائم السطو المسلح.
تاسعًا: إشراك لجان الأحياء والقيادات المجتمعية في منظومة الإبلاغ والمعلومات دون تعريض المواطنين للخطر.
عاشرًا: وضع خطة أمنية خاصة بالعاصمة تراعي طبيعة أحياء أم درمان والخرطوم وبحري العاصمة المثلثه وكلةالمحليات الأخرى واختلاف ظروف كل منطقةومحليه وحى
لا نريد أن يتحول الخوف إلى حياة دائمة
الخرطوم عاشت الحرب وما زالت تتحمل آثارها.
أهلها تحملوا النزوح وفقدان الممتلكات وانقطاع الكهرباء والمياه وصعوبة الحياة وارتفاع الأسعار،والخوف من القتال.
ولا ينبغي أن يضاف إلى كل ذلك خوف جديد من اللصوص في منتصف الليل.
المواطن الذي أغلق باب منزله ليلًا يجب أن يشعر أن هذا الباب يحميه (والحامى الله)لا أن يصبح مضطرًا إلى البقاء مستيقظًا خوفًا من أن يتسلل إليه مسلحون.
نحن لا نطالب بإجراءات عشوائية ولا نريد إرهاب المواطن وإنما نطالب بإدارة أمنية وواقعية تتناسب مع طبيعة المرحلة.
فالظروف الاستثنائية تحتاج إلى حلول استثنائية ولكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى حلول محسوبة تحفظ الأمن وتحفظ حقوق الناس.
وهى رسالة من قلب الخرطوم
وليست حكايات عن هواتف مسروقة أو ممتلكات فُقدت.
إنها رسالة تصل من مواطنين يعيشون داخل الخرطوم ويقولون:
نحن نريد أن ننام بأمان
وهذه أبسط حقوق الإنسان.
لذلك فإن ظاهرة (لصوص الليل) تستحق أن تكون أمام الجهات المختصة كـ ملف أمني عاجل ولا تنتظر حتى تتسع الظاهرة أو تقع حوادث أكثر خطورة.
فالوقاية أفضل من انتظار الجريمة والحضور الأمني الفعال أفضل من معالجة آثارها بعد وقوعها.
الخرطوم كلها تستحق ليلًا آمنًا.
وأم درمان تستحق ليلًا آمنًا.
وبحري تستحق ليلًا آمنًا.
وكل مواطن سوداني يستحق أن ينام في بيته دون خوف.
نسأل الله أن يحفظ أهل الخرطوم وكل أهل السودان وأن يحفظ الأرواح والممتلكات وأن يعيد إلى بلادنا أمنها واستقرارها وأن يجعل ليل السودان ليل سكينة لا ليل خوف أن شاء الله
والله المستعان.
حفظكم الله ورعاكم
ولأن للحقيقة سنا سنكتب
