البعد_الاخر د. مصعب بريــر شمسٌ تحرقنا وننتظر الضوء في باخرة.. هل نحتاج مجلساً “للنفط” أم “للطاقة”؟
البعد_الاخر
د. مصعب بريــر
شمسٌ تحرقنا وننتظر الضوء في باخرة.. هل نحتاج مجلساً “للنفط” أم “للطاقة”؟
هل لاحظت يوماً كيف نتعامل مع الظلمة حين تفاجئنا فجأة في “الحوش”؟ نركض فوراً للبحث عن شمعة، أو نُنزل المولد الصغير من الرف، ونترجل في العتمة لنصلح الفتيل، دون أن نفكر لحظة واحدة في السلك الأساسي الذي انقطع في الشارع، أو في تلك الشمس التي كانت تحرق أسطحنا قبل ساعات دون أن نأخذ منها قبساً لليلنا. في حياتنا اليومية، غلب علينا أدب “إطفاء الحرائق”، ونسينا تماماً كيف نمنع العتمة قبل أن تحل.
وهذا تماماً هو جوهر ما يجري اليوم في ملف الطاقة بالسودان. الخبر الذي تداولته الأوساط مؤخراً عن إعلان وشيك لإعادة هيكلة وتعديل قانون “المجلس الأعلى للموارد النفطية” ليكون برئاسة رئيس مجلس السيادة الانتقالي، قرأه البعض بظنٍ سريع أنه مجرد “لجنة أخرى” لشراء البنزين وإدارة صفقات الاستيراد العاجلة. والمجلس بالفعل لا ينبغي أن يُستنزف في صفقات أرامكو أو شحنات الموانئ فتلك ترتيبات تجارية روتينية، بل إن وظيفته هي الاستكشاف وزيادة الإنتاج؛ لكن السؤال الأعمق الذي يفرض نفسه اليوم بذكاء ووضوح: لماذا نُصرّ على حصر تفكيرنا ومؤسساتنا في صندوق “النفط” وحده، بينما العالم كله يعيد صياغة أمنه القومي تحت مظلة “الطاقة الشاملة والنظيفة”؟ أليس الأوفق أن يولد هذا المجلس باسم وأهداف “المجلس الأعلى للطاقة”، ليعالج النفط وبدائله المستحدثة في آن واحد؟
السبب الظاهر الذي يراه الجميع للأزمة اليوم هو شح الوقود وصفوف الطلمبات وتذبذب الكهرباء، ويقول الناس إن المشكلة بدأت من نقص العملة الصعبة أو تعثر الشحنات. والنتيجة الحتمية لهذه الرؤية السطحية كانت ارتهاننا الدائم لما يأتي عبر البحر، وكأننا نعيش على رزق اليوم باليوم. لكن ما لا يُرى للوهلة الأولى هو أن أزمتنا ليست ندرة في الموارد، بل هي عقم في ترتيب الأولويات؛ حيث انشغلنا لعقود بإدارة الأزمة اليومية وتوزيع “الحصص”، وأغفلنا أن الاعتماد الكلي على الوقود الأحفوري صار عبئاً ماليًا وبيئيًا متقلبًا، في وقت تملك فيه بلادنا بدائل طاقة طليقة لا تنضب.
هذا يشبه تماماً حال سائق الحافلة الذي يغير مساعدات سيارته كل شهر ويشكو من غلاء قطع الغيار، بدل أن يرفع رأسه ويسأل عن الشارع المليء بالحفر، أو يفكر في بديل أكثر كفاءة وأقل كلفة. المواطن البسيط، الذي ينتظر أن يستقر سعر لقمة العيش وتضيء لمبة بيته في الخرطوم أو دنقلا أو القضارف، لا يعنيه كثيراً تغيير مسميات المجالس؛ ما يعنيه هو النتيجة. وشمس السودان الحرّاقة التي تصهر الأجسام كل ظهيرة هي أكبر مصدر طاقة مجاني على وجه الأرض، ومشاريع الطاقة الشمسية والمتجددة كفيلة بتحرير ميزانية الدولة من أسر استيراد “الفيرنس” والديزل. إن رئاسة أعلى سلطة في الدولة لهذا المجلس تمنحه الثقل المباشر لتجاوز البيروقراطية، لكن هذا الثقل سيبقى مجرد مسكن مؤقت إن لم يتحول إلى رؤية شاملة تجمع النفط والكهرباء والطاقات البديلة في استراتيجية موحدة تحمي البلاد من مخاطر المستقبل.
وهكذا نصل إلى اللحظة الحاسمة التي تتجمع فيها الخيوط لتشير إلى حقيقة واحدة: إن الحل المستدام لأزمة الطاقة لن يأتيك أبداً في صهريج محمل بالوقود عبر البحر، بل في شجاعة توسيع الأفق والانتقال من عقلية إدارة أزمة النفط إلى عقلية صناعة المستقبل عبر الطاقة النظيفة والمستدامة. تعديل القوانين وإحياء المجلس خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها تضع السلطة أمام اختبار الحقيقة؛ فالقوانين لا تنتج نفطاً ولا تشغل خلايا شمسية، ما لم تتحول العناوين العريضة إلى إرادة حقيقية على الأرض.
بعد اخير:
خلاصة القول، إن الأوطان لا تُبنى بالحلول المقتطعة، ولا تسلم مقدراتها لمنطق المسكنات المؤقتة. الأزمة الحقيقية التي عشناها لم تكن يوماً ندرة في باطن الأرض ولا نقصاً في سطوع شمسها، بل كانت عجزاً في ترتيب الأولويات فوق سطحها؛ وحين يدرك القائمون على الأمر أن استعادة عافية الاقتصاد تبدأ من شجاعة التحول نحو الطاقة البديلة لا من رفاهية الانتظار أمام الموانئ، سيبدأ المنحنى في التغير.
اخيراً، لن يذكر التاريخ كم برميلاً استوردنا لتسيير حافلات اليوم، ولا كم اجتماعاً عُقد تحت اسم النفط، بل سيذكر شيئاً واحداً فقط: هل امتلكنا الشجاعة لنصنع ضوءنا الذاتي من أرضنا وشمسنا، أم بقيت البلاد تنتظر الضوء في شحنة قادمة؟ فالسفن التي تجلب النفط قد تُحرّك المركبة ليوم واحد، لكن الأرض والشمس وحدهما هما من يمنحان الأمة القدرة على المسير.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.
ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
البُعد_الآخر |د. مصعب بريــر
musapbrear@gmail.com
