منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

البعد_الاخر د. مصعب بريــر من الصحراء إلى السماء: دماء عارية على حافة الصمت ..!

0

البعد_الاخر
د. مصعب بريــر
من الصحراء إلى السماء: دماء عارية على حافة الصمت ..!

هل سألت نفسك يوماً لماذا أصبحت دماؤنا رخيصة إلى هذا الحد؟ ولماذا يمر الفقد المتكرر في أيامنا هذه كأنه مجرد خبر عابر في شريط إخباري مزدحم، لا يوقظ شرف الموقف ولا يستفز نخوة العتاب؟

ما يحدث باختصار شديد هو أن المواطن السوداني الاعزل، الذي هرب من جحيم الحرب والفقر يفتش عن لقيمات رزقه في أقاصي الصحراء، بات يواجه الموت من السماء ومن تحت الأرض، وسط صمت رسمي يثير الغثيان. هذا ليس حديثاً عن الماضي أو مناكفة سياسية، بل هو عما نخسره اليوم بصمت؛ نخسر المعنى الحقيقي للدولة، والحد الأدنى من القيمة الإنسانية لأبناء هذا الوطن.

السبب الظاهر الذي يراه الجميع هو القصف الجوي الأخير الذي طال عمال التعدين الأهلي التقليدي (الدهّابة) في منطقة “شمال الوادي” المحاذية للحدود الشمالية، وهو الثاني من نوعه بعد حادثة يونيو الماضية. يقول الناس إن المشكلة بدأت من التداخل الحدودي، والتعدين غير المنظم، والقصور في السلامة المهنية والمخاطر الكيماوية. وطبيعي، بعد أن نرى هذا التفريط، أن تنتهك سماء البلاد، وأن يسقط عشرات العمال العزل بين قتيل وجريح في لحظة خاطفة.

لكن ما لا يُرى في العمق، وما يتوارى خلف المبررات الأمنية وحجج حماية السيادة، هو أن هذا الدم المسفوك أوجدت جذوره حالة السيال السياسي والعجز المؤسسي الممتد لسنوات. انظر كيف تسللت حسابات المصالح الحزبية والتوازنات العسكرية الإقليمية لتلد لدينا اليوم حالة مريعة من استرخاص الإنسان؛ فالشركاء والفرقاء على حد سواء يتعاملون مع القضية إما بالصمت المريب خوفاً من الموقف السياسي، أو بالمزايدة الأخلاقية الرخيصة التي تتاجر بالدم لإدانة طرف وتتناساه حين يسفكه حليف.

طيب، هذا معناه شنو للمواطن العادي في حوشه وفي غربته؟ معناه أن لقمة العيش المضمخة بالعرق صارت تشترى بالروح، وأن الشاب الذي يخرج ليرد دين أهله ويستر عورات الفقر، قد يعود في كفن دون أن تكلف السلطات نفسها مشقة إصدار بيان يشرح لأمه كيف ولماذا قُتل. معناه أن شعور الأمان اندثر، وأصبح المواطن يدرك أن حياته مجرد رقم مقيد بين دفاتر المعادن وتقارير المنظمات.

وهكذا نصل إلى اللحظة الحاسمة، حيث تتكشف الحقيقة مجردة من كل مساحيق التجميل والمزايدات السياسية نحن فى وضع لا نحسد عليه ولا حول ولاقوة إلا بالله العلى العظيم.

بعد اخير:

خلاصة القول، إن الدولة التي تشيح بوجها عن دماء أبنائها في أقاصي الصحراء كي لا تعكر صفو حسابات إقليمية، لا تفرّط في أمن مواطنيها فحسب، بل تسقط مشروعيتها الأخلاقية في إدارة كرامتهم.

أخيرًا، سيظل الدم السوداني يسيل بلا ثمن، ما دمنا نقبل ببيع الإنسان في سوق الصمت والتحالفات الخائبة، وما لم يُدرك الكبار أن السيادة ليست هتافاً في الميكروفونات، بل هي ألا يُقتل سوداني واحد دون أن تهتز لأجله الأرض.

﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.

ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.

البُعد_الآخر | د. مصعب بريــر

musapbrear@gmail.com

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.