منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

السُّودَانُ وَمَعْرَكَةُ البَقَاءِ حَتَّى 2030 مَنْ يَمْلِكُ الغِذَاءَ وَالمَاءَ وَالمَعَادِنَ يَمْلِكُ أَوْرَاقَ المُسْتَقْبَلِ بقلم ✍🏼:حسبو علي بخيتحسبو علي بخيت

0

السُّودَانُ وَمَعْرَكَةُ البَقَاءِ حَتَّى 2030
مَنْ يَمْلِكُ الغِذَاءَ وَالمَاءَ وَالمَعَادِنَ يَمْلِكُ أَوْرَاقَ المُسْتَقْبَلِ!
بقلم ✍🏼:حسبو علي بخيتحسبو علي بخيت

لم تعد الحرب في السودان مجرد معركة بالسلاح، أو أزمة سياسية يمكن احتواؤها بتسوية عابرة، بل أصبحت معركةً على بقاء الدولة، والسيطرة على الموارد، وامتلاك القرار الوطني. فحين تتعطل الحقول، وتُنهب المناجم، وتتوقف الخدمات، وتتقطع طرق الإمداد، ويعجز المواطن عن توفير الغذاء والماء والدواء، فإن الخطر لا يقتصر على دمار الحاضر، بل يمتد إلى مصادرة المستقبل وتهديد السيادة الوطنية.
والمفارقة أن السودان، بما يمتلكه من أراضٍ زراعية واسعة، وموارد مائية، وثروات معدنية، يقف أمام الجوع والنزوح والفقر، بينما تتعرض موارده للاستنزاف والتهريب وسوء الإدارة. وهنا يبرز السؤال الجوهري: كيف تتحول بلاد بهذا الغنى إلى ساحة للعوز؟ ومن يسيطر على ثرواتها، ومن يستفيد منها، ومن يدفع ثمن الحرب التي عطلت الإنتاج وأضعفت مؤسسات الدولة ومزقت النسيج الاجتماعي؟
إن معركة السودان الحقيقية ليست على الموارد وحدها، بل على القدرة على حمايتها وإدارتها وتحويلها إلى قوة اقتصادية تحفظ كرامة الشعب واستقلال القرار الوطني.
أولًا: الغذاء والأرض.. أساس الأمن القومي
لم يعد الغذاء مجرد سلعة تجارية، بل أصبح عنصرًا أساسيًا في الأمن القومي وموازين القوة الدولية، في ظل التغير المناخي واضطراب سلاسل الإمداد وتزايد الطلب العالمي على المنتجات الزراعية.
ويمتلك السودان مقومات تؤهله ليكون مركزًا مهمًا للإنتاج الزراعي في إفريقيا والعالم العربي، غير أن الحرب أرهقت المزارعين، وعطلت النشاط الزراعي، وأضعفت شبكات الري والنقل والتخزين والتسويق، ورفعت تكاليف الإنتاج، فكان المواطن أول من دفع الثمن جوعًا وغلاءً ونزوحًا.
إن امتلاك الأرض لا يكفي لتحقيق الأمن الغذائي؛ فلا بد من تمويل المزارعين، وتوفير التقاوي والأسمدة والتقنيات الحديثة، وتأهيل مشروع الجزيرة وسائر المشروعات الزراعية، وتطوير التصنيع الغذائي وتقليل فاقد المحاصيل.
كما يتعين على الدولة مراجعة عقود الاستثمار الزراعي والتخصيص طويل الأجل، وحماية الأراضي من الاستغلال غير المنضبط، حتى لا تتحول الحاجة إلى التمويل إلى باب للتفريط في حقوق الأجيال القادمة.
ثانيًا: المياه.. ثروة الحياة والاستقرار
المياه في السودان ليست مجرد خدمة أساسية، بل قضية أمن وطني واستقرار اجتماعي ومستقبل اقتصادي. فتدهور البنية التحتية، وتعطل محطات الضخ، وضعف شبكات التوزيع، والاستنزاف غير المنضبط للمياه الجوفية، تهدد الصحة والإنتاج الزراعي، وتفاقم النزوح والتنافس على الموارد.
ولذلك، فإن حماية المياه تتطلب برنامجًا وطنيًا عاجلًا لصيانة المحطات والشبكات، وتقليل الفاقد، ومراقبة جودة مياه الشرب، وتنظيم حفر الآبار والسحب الجوفي، وربط التوسع الزراعي بدراسات علمية تضمن استدامة الموارد المائية.
فالمياه ليست موردًا إضافيًا في معادلة التنمية، بل أساسها الذي لا يمكن تعويضه بعائدات الذهب أو اتساع الأراضي الزراعية. وأي تنمية لا تضع أمن المياه في مقدمة أولوياتها تظل تنمية مهددة بالانهيار.
ثالثًا: الذهب والمعادن.. ثروة للبناء أم وقود للصراع؟
يمتلك السودان ثروات معدنية مهمة، وفي مقدمتها الذهب، الذي كان ينبغي أن يشكل رافعة للاقتصاد الوطني ومصدرًا لتمويل الخدمات وإعادة الإعمار. لكن التهريب وضعف الرقابة وغياب الشفافية قد تحول هذه الثروة إلى مصدر لتمويل الصراع وتغذية شبكات المصالح بدلًا من خدمة الدولة والمجتمع.
إن القضية ليست في استخراج الذهب فحسب، بل في معرفة من يستخرجه، ومن يبيعه، وأين تذهب عائداته، ومن يراقب عمليات الإنتاج والتصدير.
وتقتضي حماية هذه الثروة مراجعة تراخيص التعدين وعقوده، وتتبع الإيرادات، ومكافحة التهريب، وتنظيم التعدين التقليدي بما يحمي العاملين والبيئة والمجتمعات المحلية. كما ينبغي تطوير الصناعات التحويلية لزيادة القيمة المضافة وتوفير فرص العمل، بدلًا من الاكتفاء بتصدير المواد الخام وتحقيق الأرباح خارج البلاد.
فالدولة التي تفقد السيطرة على مواردها لا تخسر عائداتها المالية وحدها، بل تفتح المجال أمام اقتصاد موازٍ قد ينازع مؤسساتها سلطتها، ويضعف قدرتها على فرض القانون وحماية السيادة الوطنية.
رابعًا: الحرب والموارد.. صراع على النفوذ والسيادة
لا يمكن قراءة الحرب في السودان بمعزل عن التداخل بين الصراع الداخلي والمصالح الإقليمية والدولية. فالموقع الجغرافي، والأراضي الزراعية، والموارد المائية والمعدنية، وطرق التجارة والنقل، تمنح السودان أهمية استراتيجية متزايدة.
إن استمرار الحرب وتفكك مؤسسات الدولة وتراجع الرقابة على الإنتاج والصادرات تهيئ بيئة تستفيد منها قوى وشبكات تسعى إلى توسيع نفوذها على حساب السودانيين. وقد لا يتطلب الاستحواذ على الموارد احتلالًا مباشرًا للأرض، إذا أمكن إضعاف الدولة، وإغراقها في النزاعات، ثم استغلال حاجتها إلى التمويل عبر عقود غير متكافئة.
ومن هنا، فإن حماية السيادة لا تتحقق برفع العلم فوق المؤسسات وحده، بل بقدرة الدولة على تأمين حدودها ومنشآتها الحيوية، وإخضاع مواردها للقانون، ومراقبة العقود والصادرات، ومنع تحويل الثروات الوطنية إلى أدوات نفوذ خارج الإرادة السودانية.
كما أن استعادة مؤسسات الدولة، وتعيين أصحاب الكفاءة والخبرة بعيدًا عن المحاصصات السياسية والقبلية والمناطقية، وإقامة رقابة مستقلة على المال العام، وإنصاف مناطق الإنتاج، تمثل شروطًا أساسية لإنهاء الفوضى وحماية وحدة البلاد.
إن الأطماع الخارجية قد تستغل ضعف السودان وتستفيد من صراعاته، لكن تحصين الجبهة الداخلية، وبناء مؤسسات مهنية قوية، وتوحيد الإرادة الوطنية، هي الوسائل الأنجع لإغلاق أبواب التدخل والاستغلال.
خامسًا: برنامج الإنقاذ الوطني حتى 2030
لا يحتاج السودان إلى مزيد من الشعارات، بل إلى خطة عملية محددة المسؤوليات والميزانيات والآجال، تقوم على إجراءات قابلة للقياس والمحاسبة، وفق الأولويات الآتية:
1. خلال 90 يومًا: تشكيل فريق وطني فني لحصر أضرار الزراعة والمياه والتعدين، وتحديد المشروعات ذات الأولوية، ونشر تقرير معلن بالاحتياجات والتكاليف والجهات المسؤولة.
2. خلال ستة أشهر: توجيه التمويل المتاح إلى إصلاح محطات المياه وشبكات الري الأكثر إلحاحًا، وتوفير مدخلات الإنتاج الزراعي، وتأمين نقل الغذاء إلى المناطق المتضررة.
3. خلال عام: إنشاء نظام موحد لتسجيل إنتاج الذهب وصادراته وإيراداته، ومراجعة تراخيص التعدين، وتشديد الرقابة على التهريب، ونشر تقارير دورية عن الإيرادات وأوجه إنفاقها.
4. خلال عامين: إعادة تشغيل المشروعات الزراعية القابلة للتعافي، وتطوير التخزين والتسويق والتصنيع الغذائي، وتحسين خدمات المياه، وإطلاق برامج للتدريب والتشغيل في مناطق الإنتاج.
5. حتى نهاية 2030: توسيع التصنيع الزراعي والمعدني، وتطوير الطاقة والنقل والبحث العلمي، وجذب استثمارات مسؤولة تنقل التكنولوجيا وتحترم السيادة الوطنية، وربط التمويل بمؤشرات معلنة لزيادة الإنتاج وتحسين الخدمات وتوفير فرص العمل.
ولا تكتمل هذه الخطة دون تدقيق مستقل، ومراجعة ربع سنوية، وإعلان نسب الإنجاز والتعثر، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في الفساد أو إهدار المال العام. فإدارة الموارد ليست مجرد عملية استخراج، بل مسؤولية وطنية تستوجب الشفافية والمساءلة وضمان استفادة المواطنين من عائداتها.
الخاتمة: إفريقيا والسودان في معركة المستقبل
يتجه العالم إلى مرحلة تتزايد فيها أهمية الغذاء والمياه والأراضي الزراعية والمعادن الاستراتيجية، في ظل التغيرات المناخية وارتفاع الطلب على الموارد. وتقف إفريقيا في قلب هذا السباق، بما تمتلكه من إمكانات زراعية ومائية ومعدنية وموارد بشرية لم تُستثمر بعد على النحو الأمثل.
أما السودان، فيمتلك مقومات تؤهله ليكون مركزًا مهمًا للأمن الغذائي والتنمية الإقليمية، لكنه يقف أمام مفترق طرق: إما أن يستعيد استقراره ويبني مؤسسات تحمي ثرواته وتديرها لمصلحة شعبه، وإما أن تظل موارده عرضة للاستنزاف، وتتحول معاناته إلى فرصة للمتنافسين على النفوذ.
إن الخطر الأكبر ليس في وجود أطماع خارجية؛ فالتنافس على الموارد جزء من العلاقات الدولية، وإنما في أن يجد الطامعون دولة منهكة، ومؤسسات متصدعة، وموارد بلا حماية، ومجتمعًا تمزقه النزاعات والصراعات القبلية.
يا أهل السودان، إن الأرض الخصبة ورقة قوة، والمياه أساس الحياة، والمعادن وقود الصناعة، لكن هذه الثروات لا تحمي الوطن من تلقاء نفسها. فلا بد من دولة عادلة وقوية، ومؤسسات مهنية، وإدارة شفافة، وإرادة وطنية تجعل عائدات الموارد خبزًا للجائع، وماءً للمحتاج، ودواءً للمريض، وتعليمًا للأطفال، وفرص عمل للشباب.
احموا الأرض من التفريط، والمياه من الاستنزاف، والذهب من التهريب، واستعيدوا الدولة من الفوضى والفساد؛ فالأمم التي تعجز عن حماية مواردها قد تستيقظ يومًا لتجد أن ثرواتها تُنتج خارج إرادتها، وأن أبناءها محرومون من خيرات أرضهم.
إن معركة البقاء حتى 2030 ليست معركة استخراج الذهب أو استصلاح الأراضي أو إصلاح محطات المياه كلٌّ على حدة، بل معركة بناء دولة قادرة على حماية هذه الموارد، وتوظيفها لتحقيق التنمية والاستقرار وصون القرار الوطني.
فإما أن يجعل السودان من ثرواته أساسًا لنهضته وسيادته، وإما أن يظل ميدانًا تتصارع فيه المصالح على خيرات يملكها شعب لا ينال نصيبه منها.
فالسيادة لا تُستخرج من باطن الأرض كما يُستخرج الذهب؛ بل تُبنى بالوعي، وتُصان بالعدل، وتُحمى بالمؤسسات القوية، وتُثبت بقدرة الدولة على جعل ثروات الوطن ملكًا لشعبه لا ورقةً في أيدي الطامعين

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.