منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

البعد_الاخر مصعب بريــر القضارف.. عندما يعيد الحكم المحلي صياغة الحياة ..!

0

البعد_الاخر
مصعب بريــر
القضارف.. عندما يعيد الحكم المحلي صياغة الحياة ..!

هل سألت نفسك يوماً لماذا تتلاشى فجر كل يوم ثقة الناس بالحكم المحلي رغم أهميته التي لا يمكن إنكارها؟

ما يحدث باختصار هو أن المواطن اعتاد أن يرى المحليات أجهزة لا تذكر إلا عند جباية الرسوم أو عند امتلاء الطرقات بالمخلفات عقب كوارث الخريف. ولكن لماذا تهم هذه المسألة الآن بالذات؟ لأن ما تنجزه بلدية القضارف في هذا الزمن الصعب يمثل طفرة غير مسبوقة تكسر هذا النمط المعتاد؛ حيث تحول العمل الإداري من مجرد إدارة أزمات يومية إلى نموذج حي للتحول الحضري والتنموي الشامل.

السبب الأول الذي يراه الجميع هو أن مشكلة الحكم المحلي بدأت دائماً من النظرة التقليدية القاصرة للخدمات؛ حيث يُنظر للنظافة والتجميل كواجبات روتينية تنتهي بانتهاء الحملات المؤقتة. وطبيعي، بعد هذا، أن نرى تدهوراً مستمراً في البيئة، وتكراراً للاختناقات الخدمية والصحية مع كل فصل خريف. لكن ما لا يُرى عادة، هو أن هذا التدهور يعود في جذوره إلى غياب الحوكمة والتخطيط المستدام، وضعف الميزانيات، وترهل الهياكل في ظل ضعف قاتل للتدريب والأجور. انظر كيف تسللت هذه النتيجة لتلد سبباً جديداً جعل المواطن يفقد الأمل في أي إصلاح إداري.

هذا يشبه تماماً من ينظف مصارف المياه الترابية كل خريف بمبالغ طائلة ليتم دفنها مجدداً قبل الخريف القادم، بدل أن يفكر في إنشاء شبكة مصارف مبنية تدوم لعشرات السنين. يرى البعض أن هذا التقصير يقع بالكامل على عاتق الحكم المحلي، ولكن ألا يتحمل الجميع — بجميع مستويات الحكم والمواطن — جزءاً من المسؤولية؟ وهنا تقدم بلدية القضارف أنموذجاً يسترعي التأمل والدراسة؛ فقد أطلقت البلدية استراتيجية شاملة للتحول العمراني للأعوام (2026 – 2028) تحت شعار «القضارف.. نضارة الخضرة وإشراقة المدينة»، مرسخة هوية بصرية مستمدة من لوحة ألوان الأرض والخير (الأخضر الزرعي، الأبيض الناصع، والذهبي الخردلي).

وحين نسأل: “طيب، هذا معناه شنو للمواطن العادي؟”، نجد الإجابة في تفاصيل الحياة اليومية؛ فالأمر لا يتوقف عند المظهر الجمالي أو الشوارع النموذجية، بل يمتد لتمكين المواطن في لقمة عيشه وصحته. فقد تمكنت لجنة طوارئ الخريف بالبلدية لأول مرة من تحقيق انعدام تام للأوبئة بفضل الاستعداد الميداني المبكر. وعلى الصعيد الاقتصادي، بادرت البلدية بإنشاء مراكز البيع المخفض من المنتج للمستهلك بالتعاون مع الآلية الاقتصادية لتخفيف أعباء المعيشة، وتطوير الأسواق الفرعية. بل إن هذا النموذج امتد إلى الابتكار البيئي والاقتصادي الدائري؛ حيث نجحت هيئة نظافة البلدية، عبر شراكة مع الجمعية التعاونية لعمال النظافة، في تحويل النفايات إلى ثروة اقتصادية بإنتاج السماد العضوي والسائل من مخلفات السلخانة ضمن التوجه نحو “القضارف صفر نفايات”، لتغطي التجربة 30% من احتياجات البساتين والزراعة المروية للعام القادم.

وليس هذا تحليلاً في الهواء، بل إن ما شهدته قاعات “منتدى الحصاد (2)” ومخرجات ملتقيات جامعة الجزيرة التي أوصت بتعميم نموذج “القضارف أنظف مدينة” يؤكد أن النجاح التنموي يتطلب شراكة مجتمعية حقيقية، تجلت في خطة إزالة آثار الخريف حيث يوفر المجتمع المحروقات بينما تسهم البلدية بالآليات الثقيلة والإسناد الفني.

وهنا، تتجمع كل هذه الخيوط لتشير إلى حقيقة واحدة: إن الحكم المحلي ليس مجرد هياكل إدارية جامدة، بل هو الخيار الأمثل والوحيد لبناء الدولة وتنمية المجتمع متى ما توفرت الإرادة الصادقة والقيادة الميدانية الواعية.

بعد اخير :

خلاصة القول، إن التجارب الناجحة لا تُبنى على تجميع الإمكانيات الضخمة، بل على القدرة على صناعة الأمل وسط الركام، وتوظيف الموارد المتاحة بفكر مبتكر يلمس حياة الإنسان العادي في يومه وغده.

وأخيرًا، عندما يتحول الإنجاز من مجرد شعار تنفيذي إلى ثقافة مجتمعية راسخة، تتغير قواعد اللعبة بالكامل؛ فلا تبقى الإدارة مجرد جباية، بل تصبح بيتاً كبيراً يصنع الحياة.

﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.

ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.

البُعد_الآخر | مصعب بريــر

musapbrear@gmail.com

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.