*كَمَا تَكُونُوا يُوَلَّى عَلَيْكُمْ* *================* *✍️*كتب/ حسن البصير*
كَمَا تَكُونُوا يُوَلَّى عَلَيْكُمْ
================
✍️*كتب/ حسن البصير*

تُروى حكايةٌ أن واليًا اشتد ظلمه، وجار على حقوق الناس، فضاق أهل ولايته بحكمه ذرعًا، وقرروا أن يوفدوا جماعةً من عقلائهم إلى الخليفة، يلتمسون منه عزله وتعيين غيره. وكان الوفد برئاسة رجل حكيم، عُرف برجاحة العقل وحسن التدبير.
فلما بلغوا مجلس الخليفة، بادر الحكيم إلى مخاطبته قائلًا: ( لِمَ؟ ) فأجابه الخليفة: ( كما ). عندها التفت الحكيم إلى رفاقه وقال: «لقد قُضي الأمر، فلنرجع». فلما سألوه عن سر انصرافه، قال: سألت الخليفة: لِمَ هذا الظلم؟ فأجابني “كما تكونوا يولى عليكم” وهذه إشارة إلى أن حال الرعية من حالها، وأن صلاح الناس من أسباب صلاح من يتولى أمرهم».
▪️وسواء صحت الحكاية أم كانت من المأثور الذي يُضرب به المثل، فإنها تحمل حكمة جديرة بالتأمل، وهي أن إصلاح الحكم لا ينفصل عن إصلاح المجتمع، وأن المطالبة بالحاكم الصالح ينبغي أن تصحبها مراجعة صادقة لأحوال الناس، وتقوى الله، ووحدة الصف، ونبذ العصبيات والخصومات التي تمزق المجتمع وتضعف قدرته على اختيار من يمثله.
▪️وقد شهدت إحدى الولايات أن وفدًا كبيرًا من أبنائها قصد المركز لمقابلة رئيس مجلس السيادة مطالبًا بتغيير الوالي وتعيين أحد أبناء الولاية مكانه. غير أن الرئيس، بحسب ما يُروى، أجابهم بأنهم يختلفون مع كل من يتولى الحكم من أبنائهم، ولذلك لن يُعيّن لهم واليًا من أبناء الولاية. وانتهى الأمر بتعيين والٍ من خارجها، فكان ذلك درسًا في عواقب الانقسام، لا حكمًا نهائيًا على أهل الولاية أو أبنائها.
▪️إن اختيار الحاكم ليس مسألة انتماء قبلي أو جهوي، ولا مكافأةً لفئة دون أخرى، وإنما هو أمانة تقتضي الكفاءة والنزاهة والعدل والحكمة، والقدرة على حفظ الحقوق، وإقامة القانون، وصيانة المال العام، والاستماع إلى المواطنين، ومحاسبة الفاسدين دون محاباة. كما ينبغي أن يكون الحاكم مسؤولًا أمام الناس، وأن تُقاس شرعيته العملية بقدرته على خدمتهم، لا بقدرته على إسكاتهم.
وعلى المجتمعات أن تتفق على معايير الاختيار، وأن تجعل المصلحة العامة فوق الولاءات الضيقة، وأن تحاسب المسؤول بالحجة والقانون، لا بالخصومة الشخصية. فالحاكم الصالح لا تصنعه الشعارات وحدها، كما أن فساد الحاكم لا يبرر ظلم الرعية بعضها لبعض.
إن أردنا حكمًا صالحًا، فعلينا أن نوحد الصف، ونقيم العدل في أنفسنا، ونجعل الوطن فوق الأشخاص والانتماءات.
