البعد_الاخر د. مصعب بريــر الكلمة تحت المجهر: كيف ينقذ الإصلاح القضائي قانون المعلوماتية السوداني؟
البعد_الاخر
د. مصعب بريــر
الكلمة تحت المجهر: كيف ينقذ الإصلاح القضائي قانون المعلوماتية السوداني؟
لماذا نحتاج كل هذه القيود القانونية على كلماتٍ نكتبها بأصابعنا على شاشات الهواتف؟ السؤال يبدو بسيطاً ووديعاً، لكنه يفتح باباً لا يُغلق بسهولة. في سودان اليوم، حيث أصبحت هذه الشاشات الصغيرة ساحة أشرس من الواقع، تتدفق منها أخبار الحرب، وخطاب الكراهية، والشتائم اليومية، لم يعد السؤال مجرد تنظير. نحن نتحدث عن الشارع، وعن تفاصيل حياتنا التي أصبحت مرسومة على تطبيقات التواصل.
تعديلات قانون جرائم المعلوماتية 2020م، ولاحقا قرار رئيس مجلس الوزراء الدكتور كامل إدريس بتشكيل “الآلية الوطنية لمكافحة جرائم المعلوماتية”، جاءت كمن يرفع عصا الحراسة. والجميع يرى أن الإنترنت تحوّل إلى فوضى، والكل يكتب ما يشاء. من الطبيعي إذاً أن تتحرك الدولة؛ فالأمن المجتمعي ليس ترفاً. لكن مربط الفرس يكمن في التفاصيل الخفية. حين نقرأ عبارات مثل “إشاعة الأخبار الكاذبة”، أو “الإساءة”، أو “الاهتزاز في هيبة الدولة”، نسأل بصوتٍ عالٍ: من الذي يملك الفرشاة ليطلي بها خط الفصل بين النقد المشروع والخطر القومي؟ حين تصبح المادة القانونية مطاطية، ينتقل المواطن العادي من مجرد قراءة النص إلى الشعور بأن القانون لم يعد أداة تنظيم، بل مساحة للسيطرة.
التجارب الدولية الناجحة لم تنجح بالمنع أو بالعقوبات الفضفاضة، بل بالنور والوضوح. الطريق الصحيح يفرض علينا إعادة صياغة المفاهيم؛ بوضع تعريفات إجرائية محددة تعتمد على إثبات عنصر الضرر الجسيم والمباشر، بدلاً من ترك مصطلحات مبهمة يفسرها كل طرف كما يشاء. كما يتطلب الأمر ضمان رقابة قضائية صارمة ومستقلة تشترط إذناً مسبقاً قبل تتبع الحسابات أو تقييد التعبير، لئلا تُترك السلطة التقديرية منفردة للأجهزة الأمنية.
إن إصلاح هذا المسار لا يكتمل إلا بملاءمة العقوبات مع المعايير الإنسانية، والتخلي عن العقوبات البدنية والتعسفية لصالح معالجات مدنية عادلة. علاوة على ذلك، فإن مواجهة التضليل وخطاب الكراهية لا تكون فقط بنزع الهواتف وتغليظ العقوبات، بل ببناء الثقة عبر التوعية الرقمية، وتفعيل اليات حماية حرية الصحافة والنقد البنّاء. بدون هذه الضوابط، يظل القانون أداة لتصفية الحسابات وملاحقة الصحفيين والنشطاء بدلاً من حماية الفضاء الرقمي.
وهكذا تتجمع الخيوط سنيناً بعد سنين: قرار يبدو تقنياً وتنظيمياً، لكنه يمس أعمق ما يملكه الإنسان السوداني اليوم.. صوته المتبقي. بين حاجة الدولة إلى فرض النظام، وحاجة الناس المتشوقة للحرية، يترنح القانون على حبل مشدود.
بعد اخير:
خلاصة القول، الحقيقة الصادمة التي لا يستطيع أحد تجاهلها هي أن القوانين الفضفاضة لا تحمي مجتمعاً، بل تصنع الخوف. وعندما يصبح تعريف “الشر” و”الصدق” بيد سلطة واحدة بلا رقيب قضائي أو معايير واضحة، تصير كل كلمة تهمة تنتظر صاحبها.
أخيرًا، السؤال الحقيقي ليس هل نحتاج قانوناً للمعلوماتية، بل: من يحمي الكلمة الحرة من القانون نفسه؟
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.
ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
#البُعد_الآخر |د. مصعب بريــر
musapbrear@gmail.com
