منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

البعد_الاخر د. مصعب بريــر قرارات البرهان: هل تُفرمل قطار الدولار أم تُسرّع الانهيار؟

0

البعد_الاخر
مصعب بريــر
قرارات البرهان: هل تُفرمل قطار الدولار أم تُسرّع الانهيار؟

لماذا نحتاج لكل هذه القرارات والقرارات المناهضة في فترات وجيزة، والأزمة لا تزال تراوح مكانها؟

سؤال يمر بخاطرك وأنت تتابع نشرات الأخبار، تهمس به لنفسك وأنت تشرب الشاي المُر في الصباح، كأننا ندفع عجلةً في ممر مظلم؛ كلما أصدرنا قراراً طحننا الواقع، وكلما تراجعنا عنه اتسعت رقعة العجز. السودان اليوم يعيش أزمة اقتصادية دخلت مرحلة كسر العظم وقوت الناس، ليس جدولاً نظرياً في أوراق البنوك، بل طحناً يومياً في الأسواق، حيث تنكمش القدرة الشرائية وتتآكل الجنيهات في جيوب الكادحين بفعل انهيار السعر وقسوة الأسعار.

الجميع يرى أن الحرب هي السبب الأساسي لهذا الانهيار، وهذا حق لا ريب فيه لكنه مقرون بتداعيات الأزمات الاقتصادية العالمية التى نعايشها الان حتى باروبا وارث عبث الحكومات المتعاقبة. وطبيعي أن تتحرك الدولة، فالأمن الاقتصادي ليس ترفاً، بل هو طوق النجاة الأخير. لكن العلاقات الخفية هي مربط الفرس. عندما يستدعي رئيس مجلس السيادة وزيري التجارة والمالية ليوجه بإلغاء الجمارك المفروضة على الدقيق والزيوت والبقوليات وإلغاء حظر السلع، فهذا ليس مجرد تعديل إداري؛ إنه زلزال ينسف مصفوفة كاملة ركنت إليها الحكومة طوال النصف العام الفائت، وعجزت عن كبح جماح الدولار المندفع.

خلال هذه السنة، فقد الجنيه قوته، وانتعشت شبكات مافيا الجاز والغاز، وبلغت أسعار ورقة الاستثناء مبالغ فلكية تسكن جيوب المنتفعين، بينما تئن المخابز تحت وطأة جوال دقيق تجاوز المائة ألف جنيه بعد أن كان بسبعة عشر ألفاً. من يملك حق حرمان العائلات من رغيفها ليثرى وكلاء الاستثناءات؟ هل تكمن المشكلة في الدولار وحده، أم في اقتصاد لا ينتج، ودولة تعتمد على الجبايات والرسوم بينما تتسرب الموارد عبر التهريب وسوء الإدارة؟

التجارب العالمية الناجحة لم تقم يوماً على الجبايات والقرارات الفوقية، بل قامت على فتح نافذة النور للجميع. الطريق الصحيح لا يبدأ بتغيير الوجوه، بل بتغيير طريقتنا في إدارة الدولة؛ يبدأ بكسر الاحتكار وإلغاء القيود والامتيازات الحصرية للشركات، وفتح باب المنافسة الحرة لاستيراد السلع الأساسية. الوفرة هي الحل، وهي التي تحرق أسعار السوق وتجبر الغلاء على الانكسار بالمنافسة الشريفة لا بالوعود.

التعافي الحقيقي يبدأ من الميدان قبل أن يصل إلى الخزانة؛ باستعادة السيطرة وتأمين مسارات التجارة ومناطق الإنتاج في كردفان ودارفور، لضمان وصول عائدات الذهب والصمغ العربي والثروة الحيوانية إلى خزينة الدولة. الإنتاج هو الرهان الأول، وتنشيط الزراعة وتجفيف منابع الفساد وقطع دابر شبكات الاستثناءات هي المخرج الآمن من هذه الدوامة.

بعد اخير:

خلاصة القول، قرار البرهان يبدو تقنياً، لكنه يمس أعمق ما يملكه الناس؛ معيشتهم وحياة أبنائهم على حافة الهاوية.. الجوع لا ينتظر بياناً وزارياً، والدولار لا يلين أمام قرار تعبوي.

أخيرًا، تغيير الأشخاص لن يغير الواقع ما لم تتغير الفكرة؛ فإما اقتصاد ينتج ويحمي مواطنه، أو مسرحية قرارات تنتهي بحسرة في كل بيت.

﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.

ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.

البُعد_الآخر | د. مصعب بريــر
musapbrear@gmail.com

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.