زاوية خاصة نايلة علي محمد الخليفة *حكايات من عمق الوجع*
زاوية خاصة
نايلة علي محمد الخليفة
*حكايات من عمق الوجع*

في السودان بيوت المناسبات ، ليست مجرد صيوان يُنصب للفرح أو للعزاء ، إنها أرشيف مفتوح للذاكرة ، مكان نسرق فيه السمع ونلتقط منه الحكايات الطازجة ، تلك التي تجعلنا نبتسم أحيانًا ، وتغرس في دواخلنا خرائط من الحزن أحيانًا أخرى.
الأسبوع الماضي وجدتُ نفسي في واحدة من هذه البيوت دون دعوة مباشرة ، بحكم مرافقتي للأخ المنشد أبو القاسم العوض ، ساقني الحظ ، أو القدر إلى صيوان لا أعرف فيه أحدًا ، وكعادة أهل السودان ، جرى اقتيادي إلى بيت النساء حيث جلستُ كالغريبة الوحيدة ، لا تربطني بهن معرفة سوى تلك السيدة التي عرّفني لها الشاب بأنني أخت المنشد ، رحّبت بي ، وأكرمتني، وأجلستني إلى جوارها كأننا أهل منذ زمن بعيد ، تمضي في اشغالها لتعود مرة أخرى فتؤانسني.
بدأ البرنامج ويفصل بيننا وبين الصيوان جدار كبير ، لكن مكبرات الصوت اخترقت الحائط لتصلنا الأناشيد الوطنية والجهادية ، وعندما صدح المنشد بأنشودة “كلنا الفاشر” ، أيقظت الكلمات وجعًا قديمًا عند إحدى النساء ، التي كانت تجلس غير بعيد عني ، لتبدأ حكاية قُدّر لها أن تصلني خلسة بصوت خافت يلامس القلب.
قالت إن شابًا وشابة من منطقتهم كانا مخطوبين ، يحضّران لفرحهما قبل أن تنطلق شرارة الحرب ، الشاب ينتمي للفرقة السادسة مشاة بالفاشر ، وحين اشتعلت المعارك ، اختطفته الجبهات ، حيث كان هناك بالفاشر ، مضت السنوات والفاشر تحت حصار المليشيا حتى سقطت ، وبقيت الشابة تنتظر عودة فارس أحلامها ، رغم رجاءات الأهل بأن تنهي الخطوبة وتتزوج بغيره ، تمسكت بالأمل ، كانت تطرز أحلامها معه خيطًا بخيط ، كما لو أن الحرب ستلين يومًا وتعيد إليها من تحب.
لكن الأقدار كان لها رأي آخر ، استشهد الشاب ، وقبل خبر استشهاده بيوم واحد فقط فاضت روح الشابة ، رحل كلاهما في التوقيت ذاته تقريبًا ، كما لو أن بينهما موعدًا لا يُفلت ولا يُؤجل ، موعد على حافة الموت ، يليق بحكايات العشاق الذين يذهبون معًا إلى الغياب.
غادرتُ تلك المناسبة وأنا أشعر أن بيوت المناسبات ليست مجرد مكان للجلوس واجترار تفاصيل يومٍ عابر ، بل هي مختبر للحياة نفسها ، هناك تُروى الحكايات بلا مقدمات ولا نهايات ، وتولد القصص التي لا تُكتب في الصحف ، لكنها تبقى في الأرواح طويلًا…لنا عودة.
