منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

*السودان .. صناعة التحالفات والمصالح بين الحاجة والاستعداد* بقلم السفير/ رشاد فراج الطيب

0

*السودان .. صناعة التحالفات والمصالح
بين الحاجة والاستعداد*

 

بقلم السفير/ رشاد فراج الطيب

يعيش السودان اليوم لحظة تاريخية فارقة ، تتقاطع فيها التحديات الوجودية مع فرص إعادة التأسيس الاستراتيجي للدولة ، ليس على مستوى الداخل فحسب ، وإنما في كيفية تموضعه داخل الإقليم والعالم .

فصناعة التحالفات لم تعد ترفًا دبلوماسيًا أو خيارًا مؤجلًا ، بل غدت ضرورة بقاء ، تتوقف على مدى وعي السودان بمصالحه العليا ، وعلى حجم استعداده الذهني والمؤسسي لتوظيف عناصر قوته الكامنة.

يحتل السودان موقعًا جيوسياسيًا استثنائيًا ، يجعله ملتقى للدوائر العربية والأفريقية ، وجسرًا طبيعيًا بين المشرق وعمق القارة ، وركيزة أساسية في معادلات البحر الأحمر وحوض النيل والقرن الأفريقي .

هذا الموقع لا يمنحه قيمة جغرافية مجردة ، بل يضعه في قلب التفاعلات الاستراتيجية الإقليمية والدولية ، ويمنحه دورًا محوريًا إذا ما أُحسن استثماره ، أو يجعله ساحة مفتوحة للصراعات إذا أُهمل إدراكه .

وعلى المستوى الحضاري ، يمثل السودان امتدادًا تاريخيًا وثقافيًا عميقًا للعالمين العربي والأفريقي ، بما يحمله من تنوع إنساني وثقافي قادر ، متى ما أُدير بحكمة ، على تحويله من عنصر هشاشة إلى مصدر قوة ناعمة وتأثير إقليمي.

في المقابل ، يواجه السودان تحديات مركبة تتداخل فيها التمردات الداخلية مع أشكال متعددة من العدوان الخارجي غير المباشر ، حيث تُدار النزاعات عبر وكلاء ، وتُغذّى بالصراع على الموارد والموقع والقرار السيادي .

هذه التهديدات لا تستهدف سلطة بعينها ، وإنما تضرب في صميم فكرة الدولة ووحدتها وقدرتها على البقاء كفاعل مستقل .

غير أن خطورة المشهد لا تعني غياب القدرة على المواجهة ،

فالسودان ما زال يمتلك جيشًا وطنيًا متجذرًا في الوجدان العام ، وعمقًا شعبيًا رافضًا للتفكيك ، وموارد طبيعية هائلة ، وموقعًا لا يمكن القفز فوقه في أي ترتيب إقليمي .

وتبقى القدرة الحقيقية على المواجهة مرهونة ببناء منظومة ردع شاملة ، لا تقتصر على الأدوات العسكرية ، بل تمتد إلى السياسة والاقتصاد والدبلوماسية ، بما يرفع كلفة استهداف السودان ويجعل استقراره مصلحة للآخرين .

ومن هنا تبرز الحاجة الملحة لإعادة تعريف الأصدقاء من الأعداء ، وإعادة صياغة مفهوم المصلحة الوطنية بعيدًا عن العواطف والشعارات .

فقد أثبتت التجربة أن أخطر ما يواجه الدول هو سوء التمييز بين الشريك الحقيقي ومن يتخفى خلف خطاب الدعم وهو يمارس سياسات الإضعاف .

الصديق هو من يحترم سيادة السودان ووحدة أراضيه ، ويتعامل معه كشريك ندّي ، لا كملف أو ساحة نفوذ .

أما العدو ، فهو كل من يسهم ، صراحة أو مواربة ، في تفكيك الدولة أو استنزاف مواردها أو فرض الوصاية على قرارها الوطني .

وفي هذا السياق ، يصبح تحديد المصالح الحيوية والاستراتيجية من أمن قومي ووحدة ترابية وأمن مائي وسيطرة على الموارد وانفتاح اقتصادي متوازن هو الأساس الذي تُبنى عليه شبكة العلاقات والتحالفات .

إن صناعة المصالح والتحالفات لا تتم بالخطاب وحده ، بل عبر معادلة دقيقة قوامها وضوح الرؤية الوطنية ، وامتلاك أوراق قوة قابلة للتوظيف ، والقدرة على التفاوض من موقع الندية ، وبناء الثقة عبر الاتساق في المواقف والالتزام بالتعهدات .

فالسودان لا يحتاج إلى تحالفات أيديولوجية ضيقة ، بقدر حاجته إلى شراكات عملية مرنة ، تتغير بتغير المصالح ، وتحكمها البراغماتية الواعية لا الارتهان السياسي .

كما أن النظر إلى السودان بوصفه طرفًا محتاجًا فقط يمثل اختزالًا مخلًا بالواقع ، إذ يمتلك هذا البلد من المقومات ما يجعله شريكًا مطلوبًا لا تابعًا.

فالأراضي الزراعية الواسعة ، والموارد المعدنية والنفطية ، والموقع الاستراتيجي على البحر الأحمر ، والسوق الواعدة ، والعمق الأفريقي ، كلها عناصر قوة حقيقية يمكن تحويلها إلى أدوات تفاوض وشراكة ، إذا ما أُحسن إدارتها ضمن رؤية استراتيجية شاملة.

وتأسيسًا على ذلك ، تبرز ضرورة انتهاج منهج جديد وفعال في بناء العلاقات الخارجية ، يقوم على تبادل المصالح لا المجاملات ، وعلى الشراكات الاستراتيجية طويلة المدى لا التحالفات المؤقتة ، وعلى الفصل الواعي بين الخلافات السياسية ومجالات التعاون الاقتصادي والتنموي ، مع تنويع الشركاء وعدم الارتهان لمحور واحد ، بما يحفظ هامش الحركة والاستقلال في القرار .

غير أن صناعة المصالح لا يمكن أن تنجح دون إزالة المعوقات الداخلية التي طالما أضعفت الأداء الخارجي ، وفي مقدمتها ضعف التنسيق المؤسسي ، وتضارب الرسائل الدبلوماسية ، وغياب الرؤية الاقتصادية الموحدة ، وتسييس العلاقات الخارجية .

كما يتطلب الأمر فتح مسارات جديدة للتعاون الإقليمي والدولي في مجالات الأمن الغذائي والطاقة والنقل والموانئ ، بما يربط مصالح الآخرين باستقرار السودان وأمنه .

وفي هذا الإطار ، تكتسب دبلوماسية التنمية أهمية مركزية ، باعتبارها المدخل الأنجع لصناعة الشراكات النافعة .

فلم تعد الدبلوماسية تقتصر على البيانات والمواقف ، بل أصبحت أداة لجذب الاستثمار ، وبناء المشاريع المشتركة ، وخلق شبكات مصالح تحمي الاستقرار وتعزز السيادة .

وحين تتحول السفارات إلى منصات شراكة ، ويُوضع الاقتصاد في صدارة السياسة الخارجية ، يصبح السودان قادرًا على إعادة صياغة علاقاته من موقع الفاعل لا المتلقي .

إن السودان ، وهو يعيد بناء دولته وسط إقليم مضطرب ، مطالب بالانتقال من سياسة رد الفعل إلى استراتيجية الفعل ، ومن منطق الاستجداء إلى منطق الشراكة ، ومن إدارة الأزمات إلى صناعة المصالح .

فالتحالفات لا تُصنع بالحاجة وحدها ، بل بالاستعداد والوعي بالمكانة .

ومن يملك موقع السودان وموارده وتاريخه ، إذا أحسن قراءة مصالحه ، لا يكون هامشًا في المعادلة ، بل أحد صناعها .

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.