من أعلى المنصة ياسر الفادني *فشلت البندقية وتكلم رقم الحساب !*
من أعلى المنصة
ياسر الفادني
*فشلت البندقية وتكلم رقم الحساب !*

لم يعد الخبر صادمًا بقدر ما هو كاشف. أن تختطف مليشيا مسلحة مهندسين كولومبيين مرتزقة وتطلب خمسة ملايين دولار ! ، فذلك ليس حادثًا أمنيًا ولا تجاوزًا فرديًا، بل اعتراف صريح بالهزيمة، حين تفشل البندقية في فرض واقع، تتحوّل إلى سكين جيوب، وحين تعجز الشعارات عن الإقناع، يُستدعى الخطف كحرفة، هذه هي القصة العارية: مليشيا خسرت المعركة، فاختارت أن تبيع البشر
الخطف هنا ليس وسيلة ضغط، بل نمط عيش ، تجارة كاملة الأركان تقوم على اقتناص الضعفاء، أجانب كانوا أم مواطنين، وتحويل أجسادهم إلى إيصالات قبض، لا سياسة في الأمر، ولا قضية، ولا حتى شجاعة؛ فقط جوع مقنّع بالسلاح ، من يدّعي الحماية صار قاطع طريق، ومن كان يرفع راية القوة صار يحصي الدولارات بيد مرتجفة، خمسة ملايين؟ هذا رقم لا يقول سوى شيء واحد: اليأس حين يلبس بدلة الطمع،
الأثر لا يقف عند المخطوفين وحدهم، الخطف يزرع رعبًا طويل الأمد، رعبًا يجعل المدينة تمشي على أطراف أصابعها، ويجعل الأسرة تحسب الطريق قبل الخطوة، والوظيفة قبل الراتب، والضيف قبل الترحيب، إنه تدمير بطيء للثقة، وكسرٌ للعمود الفقري لأي مجتمع: الإحساس بالأمان. وحين يختطف أجنبي، لا تُخطف حريته وحده؛ تُخطف سمعة بلدٍ بأكمله، وتُكتب على جبينه لافتة تحذير: (الدخول على مسؤوليتك) !
لماذا يحدث هذا؟ لأن الهزيمة حين تُنكر تتحوّل إلى جريمة ، لأن السلاح بلا مشروع أخلاقي يهبط سريعًا إلى قاع النهب ، لأن الحرب حين تطول تُخرِج أسوأ ما فيها: مقاتلين بلا قضية، وقادة بلا أفق، واقتصادًا بلا رحمة، ولأن غياب القانون في المناطق المستباحة من قبل الجنحويد يخلق فراغًا محايدًا؛ يخلق وحوشًا صغيرة تتغذى على الفوضى وتكبر بالخوف
الخطف يصبح حينها أسرع طريق للمال، وأقذر طريق للنفوذ، وأوضح دليل على أن القوة لم تعد سوى عضلات بلا عقل
الساخر في المشهد أن المليشيا التي تزعم أنها جاءت لتفرض واقعًا جديدًا، انتهت إلى نسخة بدائية من عصابات الأفلام الرديئة: تهديد، مكالمة، رقم حساب، وعد بالإفراج، لا نصر هنا، ولا بطولة، ولا حتى حيلة، مجرد سقوط مدوٍّ من خطاب الحرب إلى دفتر الحسابات، ومن يبيع الناس اليوم، سيبيع كل شيء غدًا: الأرض، والمدينة، والاسم
إني من منصتي أنظر ….حيث أرى …. أن هذه الظاهرة ليست قدرًا، إنها علامة طريق تقول إن النهاية اقتربت، فالجماعات التي تعيش على الخطف تعيش على الوقت الضائع، وتُراكم كراهية لا تمحوها فدية ، والبلاد التي تُختطف سمعتها تُستعاد حين يُعاد تعريف القوة: قوة تحمي ولا تبتز، تحكم بالقانون لا بالمكالمة، وتُعيد الإنسان من خانة الرهينة إلى خانة المواطن، حتى ذلك الحين، سيظل الخطف شهادة هزيمة مكتوبة بالدولار، وموقّعة بالخزي.
