منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

*خبر وتحليل | عمار العركي* *الرئيس السيسي والأمير فيصل: رسائل إلى أبوظبي وأديس أبابا*

0

*خبر وتحليل | عمار العركي*

 

*الرئيس السيسي والأمير فيصل: رسائل إلى أبوظبي وأديس أبابا*

 

▪️لم يكن تزامن زيارة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي إلى أبوظبي، مع وصول وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان إلى أديس أبابا، مصادفة، او تحركاً عابراً في ضمن جدول التحركات الدبلوماسية الإقليمية العادية ، فالتوقيت، والسياق، وطبيعة الملفات المفتوحة في الإقليم، تجعل من الصعب فصل الحدثين عن بعضهما، أو عزلهما عن المشهد السوداني الذي بات مركز ثقل معادلة الأمن في البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
السودان اليوم ليس مجرد ساحة حرب داخلية، بل عقدة توازن إقليمي تتقاطع عندها حسابات القاهرة وأبوظبي والرياض وأديس أبابا، وتتداخل فيها اعتبارات الأمن القومي، والممرات البحرية، وموازين النفوذ في القرن الإفريقي. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة الزيارتين باعتبارهما حركتين على رقعة واحدة، وإن اختلفت البوابات.
▪️القاهرة تدرك أن أبوظبي فاعل مؤثر في الإقليم وفي المشهد السوداني سياسياً ومالياً، وأن أي إعادة ترتيب للأوراق في الخرطوم لا يمكن أن تتم بمعزل عن تفاهم معها. كما أن مصر، بخلاف تجربتها المتوترة مع أديس أبابا في سنوات سابقة، حافظت على مساحة تقارب مع الإمارات، تدرك أهميتها في إدارة الملفات الحساسة. لذلك من الطبيعي أن يكون السودان حاضراً بقوة في محادثات أبوظبي، لا سيما في ظل المؤشرات المتزايدة على تغير موازين القوى الميدانية، وتراجع رهانات كانت قائمة على إطالة أمد الصراع أو إعادة إنتاجه بصيغ مختلفة.
▪️القاهرة، على الأرجح، طرحت رؤية تقوم على أن استقرار السودان الموحد، بمؤسساته الوطنية، هو الضمان الحقيقي لأمن مصر جنوباً، ولأمن البحر الأحمر شرقاً. وأن أي مقاربة قصيرة المدى، أو رهانات على قوى متآكلة سياسياً وميدانياً، لن تنتج سوى فراغ أمني أوسع، سرعان ما يتمدد خارج الحدود السودانية.
▪️في المقابل، تتحرك الرياض من بوابة مختلفة ولكنها مكملة. السعودية في هذه المرحلة تعمل على تثبيت حضورها السياسي في الإقليم، وتنشيط دبلوماسيتها في اتجاه القرن الإفريقي، باعتبار أن أمن البحر الأحمر بات أولوية استراتيجية قصوي، ومن هنا تكتسب زيارة الأمير فيصل بن فرحان إلى أديس أبابا دلالتها الخاصة.
▪️إثيوبيا ليست مجرد جار للسودان، بل لاعب مباشر في معادلته الأمنية، بحكم الحدود، وبحكم التداخلات السياسية، وبحكم تاريخ من الشد والجذب. والتطورات الداخلية الأخيرة في تغراي، والتصعيد مع إريتريا، والتوترات المرتبطة بالحدود مع السودان، كلها عناصر تجعل من استقرار إثيوبيا أو اضطرابها عاملاً مؤثراً في مسار الحرب السودانية ذات الارتدادات الأمنية علي البحر الاحمر . بالتالي من غير المستبعد أن تكون هذه الملفات حاضرة بقوة في مباحثات أديس أبابا، سواء من زاوية ضبط أي أدوار إثيوبية محتملة داخل المشهد السوداني، أو من زاوية منع توظيف الساحة السودانية في صراعات إقليمية أوسع.
▪️المعادلة اللافتة هنا أن القاهرة أقرب إلى أبوظبي، والرياض أقرب إلى أديس أبابا. هذه الحقيقة لا تعني تبادل أدوار بقدر ما تعكس تقاطع مصالح وتحركاً عبر البوابة الأقرب لكل عاصمة. مصر تخاطب التأثير الإماراتي في السودان، والسعودية تخاطب الحضور الإثيوبي في معادلة الإقليم، وفي الخلفية هدف مشترك: منع انزلاق السودان إلى نموذج الدولة المنهكة التي تُدار من الخارج، أو تتحول إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية .
▪️إذا كانت هذه التحركات تمثل بداية إعادة ترتيب هادئة حول السودان، فالمتوقع أن يتصاعد الضغط نحو صيغة سياسية تحافظ على مؤسسات الدولة، وتقلص مساحة الاستقطاب الإقليمي داخل الساحة السودانية، مع متابعة دقيقة للتطورات الإثيوبية التي قد تنعكس مباشرة على الحدود وعلى توازنات الحرب. الإقليم، فيما يبدو، بدأ يدرك أن كلفة الفوضى السودانية أعلى بكثير من كلفة التفاهم حولها.
*خلاصة القول ومنتهاه:*
▪️أن السودان بات اختباراً حقيقياً لإرادة الإقليم: إما صناعة الاستقرار أو تركه نهباً للفوضى. التحركات بين أبوظبي وأديس أبابا تشير إلى أن العواصم المعنية بدأت تعيد حساباتها وفق معالم طريق واضحة: دولة سودانية موحدة، بمؤسسات قوية، محصنة من رهانات الخارج. تلك هي الصيغة الوحيدة القادرة على إغلاق أبواب الفوضى الشاملة وفتح أفق التوازن. وما دون ذلك ليس سوى تأجيل لحريق أكبر وأعمّ.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.