*وداعاً شاذلي عبدالقادر خضر ركيزة السودان في اسطنبول* *رحيلُ رجلٍ لا يُعوَّض… وجعٌ على طريق عطبرة – بورتسودان* *ينعيه : مصطفى ود النمر*
*وداعاً شاذلي عبدالقادر خضر ركيزة السودان في اسطنبول*
*رحيلُ رجلٍ لا يُعوَّض… وجعٌ على طريق عطبرة – بورتسودان*
*ينعيه : مصطفى ود النمر*

وداعُ قامةٍ وطنيةٍ ترجلت في أول أيام رمضان
في اليوم الأول من شهر رمضان المبارك، شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار، وعلى طريق عطبرة – بورتسودان، توقّف قلبٌ كان نابضًا بحب السودان… وانطفأت روحٌ كانت تمشي بين الناس كنسمة خيرٍ لا تُرى، لكنها تُحسّ في كل موقف، وفي كل بسمة، وفي كل يدٍ امتدّت بالعطاء.
هناك، على ذلك الطريق، رحل شاذلي عبدالقادر خضر مدير شركة سنكاد في تركيا في حادث حركةٍ أليم، فكان الفقد فاجعةً بثلاثة أوجاع: وجع الرحيل، وحرمة الزمان، وقسوة المكان.
رحل في أول رمضان… وكأن الله اختار له موعدًا مختومًا بالرحمة.
لم يكن الفقيد مجرد مدير شركة ناجح، ولا رجل أعمالٍ عابر في دفاتر التجارة، بل كان قامةً وطنية تمشي على قدمين. رجلًا قدّم الغالي والنفيس لوطنه في كافة المجالات، ولم يتوانَ عن خدمته لحظةً واحدة، حاضرًا في ميادين العمل الوطني، ومشاركًا في كل ما يعزّز صمود السودان وثباته.
كان أحد أبرز بشارات النصر في معركة الكرامة، يعمل حيث يجب أن يُعمل، ويصمت حيث يكون الصمت أبلغ. لم يكن من هواة الأضواء، بل من صُنّاع الأثر. كان يؤمن أن الرجال تُعرف بمواقفها، وأن الوطن يُبنى بالتضحية قبل الشعارات.
لقد كان ركنًا من أركان التصنيع الحربي السوداني، مساهمًا بعقله وخبرته وعلاقاته وجهده في دعم مسيرة الاكتفاء والقوة الوطنية. كان يدرك أن السيادة لا تُصان إلا بعلمٍ يطوّر، وعملٍ يُنتج، وإرادةٍ لا تلين. فكان جزءًا أصيلًا من هذا المسار، يعمل بصمت، ويقدّم دون ضجيج، ويعطي دون انتظار شكر.
تحسّ السودان في خطواته…
في نظرته، في انشغاله الدائم بقضاياه، في حرصه على أن يبقى الوطن قويًا ثابتًا.
هو ابن السودان البار… ابن القضارف، مدينة الخير والعطاء، التي أنجبته كما تُنبت الأرض الطيبة زرعها المبارك. وكيف لا يكون رجل خير، وقد خرج من أرضٍ عُرفت بالكرم والنخوة؟
كبر في تربةٍ تعرف معنى الرجولة، وتشرب قيم البذل، فحملها معه حيثما ذهب. وحين حلّ في تركيا، لم يكن غريبًا، بل صار واحدًا من صانعي الحضور السوداني المشرّف هناك.
إذا سمعته يتحدث التركية حسبته ابنًا من أبنائها؛ يجيدها بطلاقةٍ وإتقان، حتى لا تكاد تظنه يتحدث غيرها. وكيف لا، وقد تشرّبها علمًا في جامعاتها، وصقلته تجربتها، فصار جسرًا حيًا بين السودان وتركيا، بين الفكرة والتنفيذ، بين الطموح والإنجاز.
أما عن خدمته لمجتمع إسطنبول… فذاك بابٌ لا يُغلق.
كان قلب وروح الجالية السودانية هناك.
سندًا للطلاب، وعونًا للنساء، ورفيقًا للشباب، وملاذًا للمرضى.
حاضرًا في المنتديات والمؤتمرات والمعارض، حاملًا همّ الناس أينما ذهب.
مؤمنًا بأن الإنسان خُلق ليكون نافعًا لغيره.
لا ينتظر أن يأتيه المحتاج، بل يذهب إليه. يبحث عن الألم ليخففه، وعن الضيق ليزيله. مواقفه لا تُحصى، لأن العطاء الصادق لا يُوثّق في دفاتر، بل يُزرع في القلوب، ويبقى شاهدًا عليه الدعاء.
ستفتقده المجالس، حيث كان رزنامة من الأدب، وكنزًا من الثقافة، أي بابٍ طرقته عنده وجدته مفتوحًا على معرفةٍ عميقة وفكرٍ متزن.
حاضر الذهن، واسع الاطلاع، دقيق العبارة، رصين الرأي.
كان كبيرًا مع الكبير، وصغيرًا مع الصغير.
لا تفارقه البسمة، ولا يغيب عنه الوقار.
مدير من الطراز الأول؛ يقود بحكمة، ويحتوي بلطف، ويُنجز بثبات.
وقد أثّر فيه في الفترة الأخيرة فقدُ والدته، وكان لذلك الفقد وقعٌ ثقيل على قلبه الحنون. كأن المصاب ترك في روحه أثرًا عميقًا، أو كأن القلب الذي اعتاد أن يحتمل هموم الآخرين لم يحتمل فراق أمه.
واليوم…
نفقد فيه عمودًا من أعمدة معركة الكرامة، وركنًا من أركان التصنيع الوطني، وقامةً وطنيةً نادرة.
قالوا في الرثاء:
لكلِّ شيءٍ إذا ما تمَّ نقصانُ
فلا يُغرَّ بطيبِ العيشِ إنسانُ
وقالوا:
أعينُنا تدمعُ والقلوبُ موجعةٌ
ولا نقولُ إلا ما يُرضي ربَّنا
ونقول نحن:
ما ماتَ من زرعَ المعروفَ في زمنٍ
فالخيرُ بعدَ رحيلِ الجسمِ يحيينا
أيها الراحل العزيز…
لقد عجزت الكلمات، وخذلتنا الحروف. فالكيبورد لا يستطيع أن يكتب حجم إنسانيتك، ولا أن يصف أثر حضورك. لكننا نعلم يقينًا أن القلوب التي أحببتها ستبقى تذكرك، وأن الأيادي التي أمسكتها ستدعو لك، وأن الخير الذي زرعته سيظل شاهدًا لك لا عليك.
رحلت جسدًا…
لكنّك بقيت أثرًا، وبقيت سيرةً، وبقيت دعاءً لا ينقطع.
لقد تركت حملًا ثقيلًا لمن سيكون خلفك؛ فليست القامات تُعوَّض، ولا الأعمدة تُستبدل بسهولة. نسأل الله أن يعين من يخلفك، وأن يرزق الجالية في إسطنبول بمثل شاذلي إخلاصًا وهمةً وغيرةً على الوطن.
اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعفُ عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واجعل قبره روضةً من رياض الجنة.
اللهم اجعل رحيله في أول رمضان بشارة خير له، واجعل ما قدّم في ميزان حسناته، وألحقه بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
اللهم اربط على قلوب أهله وذويه، وألهمهم الصبر الجميل، وأجرهم في مصيبتهم، واخلف لهم خيرًا منها.
اللهم ألهم الجالية السودانية في إسطنبول، والسودانيين والأتراك جميعًا، الصبر والسلوان على فقده.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
