منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

*المهندس أبوبكر شبو… يكتب :* *الدول لا يغدرها إلا أبناؤها..!!*

0

*المهندس أبوبكر شبو… يكتب :*

 

*الدول لا يغدرها إلا أبناؤها..!!*

أبوبكر شبو

 

​قبل عشرة أيام فقط، كنت على متن طائرة تغادر لندن متجهة إلى ميونخ في مهمة سريعة. رحلة قصيرة في الزمن… طويلة في الإرهاق عدت منها في اليوم التالي.
​كانت الرحلة مرهقة جسدياً ومادياً على نحو غير معتاد؛ تذكرة تجاوزت 900 دولار، بينما سعرها الطبيعي لا يتعدى 150 وربما أقل. الفنادق في وسط ميونخ محجوزة بالكامل، المدينة مكتظة، والأسعار مشتعلة كأن حدثاً استثنائياً يلتهمها.
​سألت نفسي: ما الذي يحدث هنا؟
بعيداً عن مؤتمر الأمن الذي كانت المدينة تحتضنه… ما السر؟
​لم أجد إجابة في الذهاب.
لكن العودة كانت كاشفة.
​جلست في مقعدي بصعوبة، وبالكاد وجدت مكاناً لحقيبتي في المقصورة العلوية. الطائرة ممتلئة عن آخرها. وجوه متشابهة، ملامح واحدة تقريباً، لغة لم أتبينها أول الأمر.
​سارعت بالجلوس، كنت فقط أريد ساعة نوم.
لكن الهمس بدأ يتحول إلى كلمات. لغة تشبه الفارسية. بعضهم يضع أعلام إسرائيل على حقائبه. امرأة من الصفوف الأولى اشترت علب حلوى باهظة الثمن وبدأت توزعها على الركاب… تخطتني عمداً أو سهواً.
(أعترف… زعلت شوية. كنت محتاج حلاوة ترفع الضغط المنخفض).
​تداعى إلى ذهني مشهد قديم في لندن: تظاهرة لإيرانيين، إلى جوارهم إسرائيليون، يرفعون الشعارات ذاتها.
هل هو المشهد نفسه يتكرر هنا؟
​بجانبي كانت سيدة تتململ بقلق، تمسك هاتفها، تحاول التقاط إشارة إنترنت. بدا عليها أنها تنتظر خبراً مصيرياً.
انتهزت اللحظة.
قلت لها وبنبرة متذمرة:
“الإنترنت غير متاح… أمر مزعج. الحياة صعبة بلا اتصال، خاصة لمن لهم علاقة بالعمل العام والثوري… أمثالنا.”
​ضحكت.. ابتسمت وقالت:
“نعم… نحن على أحرّ من الجمر لمتابعة نتائج عملنا اليوم.”
​هنا… دق قلبي أسرع.
سألتها بحذر:
“هل أنتم معاً على هذه الطائرة؟”
​ترددت، ثم سألتني من أين أنا، وماذا أفعل هنا. طمأنتها بأنني أعمل مع منظمة دولية في مجال حقوق الإنسان، وأدعم القضايا العادلة وأقف ضد الإرهاب… إلى آخر الخطاب المعتاد (ونستها هههه).
​عندها انفتح الباب.
قالت بصراحة مفاجئة:
“نحن هنا للتظاهر ضد النظام الإيراني. نؤيد ما قامت به إسرائيل من اغتيالات مؤخراً داخل إيران. هناك منظمة تدعمنا بآلاف الجنيهات لنحشد إيرانيين من حول العالم، لنأتي إلى ميونخ ونطالب بإسقاط الدولة ومحاربة حكم الإسلام.”
​ثم أرتني الصور.. الفيديوهات.. الحشود.. التنظيم.. التمويل.
كل شيء كان مرتباً… إلا الحقيقة.
​هنا فهمت.
فهمت لماذا كانت التذاكر تحلق في السماء.
فهمت لماذا امتلأت الفنادق.
فهمت لماذا بدا الركاب كأنهم وفد واحد لا يعرف بعضه… لكنه يعرف وجهته.
​كانت رحلة منظمة… مدفوعة الثمن.
​ليست القصة عن حلوى لم أحصل عليها، ولا عن إنترنت مفقود في طائرة.
القصة عن فكرة.
وفكرة… إذا وُجد من يمولها، ويحشد لها، ويُجمّلها بالشعارات… تتحول إلى مشروع.
ومشروع كهذا لا يحتاج دائماً إلى جيوش؛ يكفيه أبناء غاضبون… وشيكات.
​الدول لا تسقط دائماً من الخارج.. أحياناً… يُفتح لها الباب من الداخل.
​قحت – صمود – تقدم – تأسيس؛ العمالة والارتزاق فكرة.
والفكرة… لا تموت

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.