*خبر وتحليل | عمار العركي* *الفشقة التي قصمت ظهر التغيير: تصعيد إثيوبي إماراتي على الحدود السودانية*
*خبر وتحليل | عمار العركي*
*الفشقة التي قصمت ظهر التغيير: تصعيد إثيوبي إماراتي على الحدود السودانية*

______________________
▪️على مر عقود، ظلت الحدود الشرقية للسودان مع إثيوبيا منطقة توتر مستمر، مليئة بالتجاوزات والتعديات التي لم تتوقف حتى أثناء فترة التنازل غير المعلن عن أراضي الفشفة السودانية لمدة 25 عاماً فترة حكم الانقاذ . ومع استعادة هذه الأراضي وعودة انتشار الجيش السوداني فيها عام 2020، ظن الكثيرون أن استقراراً نسبياً سيعزز السيادة ويضع حداً لممارسات الاحتلال الجزئي والتجاوزات الإثيوبية.
▪️غير أن التعدي الحدودي بلغ ذروته بعد تدخل الإمارات واثيوبيا في المشهد السوداني عقب التغيير وسيطرة “قحت” علي الاوضاع داخل السودان ، تلك الفترة التي وثقناها بسلسلة مقالات تحليلية مبذولة في الشبكة العنكبوتية بعنوان *(الفشقة التي قصمت ظهر التغيير)*، والمحاولات المتكررة للاستحواذ على أراضي الفشقة الزراعية الحدودية. تدخلت “الامارات” تحت ستار الوساطة والحل، وفرضت تسوية منح فيها الطرف الإماراتي 50% من نصيب الأرض بحجة التمويل، فيما قُسّم النصف الآخر بين السودان وإثيوبيا، بزعم أن العمالة إثيوبية والأرض سودانية.
▪️هذا السياق يفسر أن حدود السودان الشرقية مع إثيوبيا ليست مجرد خط فاصل او هدف مؤقت، بل هدفاً تاريخياً واستراتيجياً ثلاثي الأبعاد يربط بين مصالح إSرائyلyة وإماراتية وإثيوبية. تتجدد أدوات هذا الهدف ووسائل تحقيقه مع المستجدات الإقليمية، فتأخذ شكل التعدي المباشر والتدخل، وهو ما تجلى في المرحلة الحالية من خلال إنشاء المعسكرات واستخدام الطائرات المسيّرة، مستفيدة من الانشغال الدولي والإقليمي بتوازنات أخرى في المنطقة.
▪️في هذا الإطار، أعلنت وزارة الخارجية السودانية أن طائرات مسيّرة دخلت من داخل الأراضي الإثيوبية وتعاملت مع أهداف داخل السودان خلال فبراير ومارس 2026، ووصفت ذلك بأنه “انتهاك سافر للسيادة وعدوان صريح”. ولم تمضِ ساعات حتى استدعت الخارجية الإثيوبية السفير السوداني، في مؤشر على أن الأزمة تجاوزت مستوى التصريحات إلى مربع الاشتباك الدبلوماسي المباشر.
▪️هذه التطورات لم تحدث بمعزل عن شبكة النفوذ الإقليمية، حيث تظهر دلائل على تدفق المرتزقة والإمدادات العسكرية عبر خطوط جوية معقدة. فقد تم رصد ثلاث طائرات مدنية كينية تنقل مقاتلين بين الإمارات وإثيوبيا وتشاد، تنطلق من قاعدة “الريف الجوية” في أبوظبي، وتهبط في قاعدة “بولي الدولي” في أديس أبابا، ثم تتجه إلى مطار “إنجمينا الدولي” في تشاد، متجهة في نهاية المطاف إلى مسارح العمليات داخل السودان.
▪️اللافت أن بعض هذه الرحلات أقلعت من قاعدة “هرر ميدا الجوية” الإثيوبية، وهي قاعدة رئيسية للقوات الجوية الإثيوبية وليست منشأة مدنية، ما يشير إلى أن هذه العمليات جزء من شبكة لوجستية عابرة للحدود تدعم ميلشيا الدعم السريع المتمردة، تشمل نقل مقاتلين، مرتزقة، مشغلي الطائرات المسيّرة.
هذه المعطيات تضع إثيوبيا عملياً في العدوان ، حتى إذا لم تكن تشارك مباشرة في تشغيل الطائرات، فإن مجرد استخدام أراضيها كنقطة عبور أو مركز لوجستي يجعلها طرف معتدي. وفي الوقت نفسه، تتيح للإمارات التمدد اللوجستي عبر هذه الشبكة، وهو ما يعكس تداخل المصالح الثلاثية (إSرائyلyة–إماراتي–إثيوبي) في الفشقة والمناطق الحدودية.
▪️في الخلفية الإقليمية، يأتي هذا التصعيد في وقت يشهد العالم انشغالاً بالتوترات بين الولايات المتحدة وإيران، فيما يبقى المملكة العربية السعودية اللاعب الإقليمي الوحيد القادر على التأثير، غير أن انشغالها الحالي يترك مساحة لإثيوبيا والإمارات لاستغلال اللحظة، اما المؤسسات الإقليمية المعنية مثل الاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) تبدو غير قادرة على لعب دور فعال في ضبط التوترات، خاصة في ظل مواقفها السابقة السالبة في ملفات الحدود والتعديات وشبه المتماهية مع مليشيا الدعم السريع المتمردة .
خلاصة القول ومنتهاه :
أن ما يحدث على حدود السودان الشرقية مع اثيوبيا هو جزء من مخطط استراتيجي قديم متجدد يستهدف احتلال تلك المنطقة والاستحواذ عليه في اطار شبكة مصالح ثلاثية ، بواسطة شبكة إقليمية معقدة تتداخل فيها خطوط الطيران العسكري واللوجستي مع الصراع على الأرض.
▪️ بشكل عاجل ، يجب تعزيز قدرات الرصد والدفاع الجوي، ورفع الجاهزية الأمنية للجيش السوداني، وحماية الحدود الشرقية، ذلك كضرورة ملحّة ليس فقط للحفاظ على السيادة، بل لمنع تحويل الحدود الشرقية إلى ساحة ومسرح لفوضي ومغامرات التدخل الخارجي ولحسم أي تصعيد إثيوبي في الوقت الراهن.
