منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

*مصطفى ود النمر*  *دروس من الحروب الدائرة اليوم… لماذا تبدأ القوة العسكرية من السيادة الرقمية؟*

0

*مصطفى ود النمر*

 

*دروس من الحروب الدائرة اليوم… لماذا تبدأ القوة العسكرية من السيادة الرقمية؟*

 

تكشف الحروب الجارية في العالم

ليوم حقيقة لم تعد قابلة للجدل: المعركة الحديثة تبدأ في الفضاء الرقمي قبل أن تصل إلى الميدان العسكري. فالتفوق لم يعد مرتبطًا فقط بالصواريخ والطائرات، بل بامتلاك القدرة على التحكم في المعلومات والشبكات والأنظمة الإلكترونية التي تدير الدولة والجيش معًا.

أولى هذه الحقائق أن التفوق الاستخباراتي الرقمي أصبح شرطًا أساسيًا لأي صراع حديث. فالجيوش اليوم تعتمد على تدفق مستمر من البيانات القادمة من الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة وأنظمة الاستشعار والاتصالات. هذه البيانات تُحلَّل لحظيًا لتحديد الأهداف وتحريك القوات واتخاذ القرار. ومن لا يمتلك القدرة على جمع المعلومات وتحليلها بسرعة، يدخل المعركة وهو شبه أعمى.
لكن هذا التفوق لا يمكن تحقيقه دون بنية رقمية وطنية مستقلة. فالأمن العسكري يبدأ من عمق النظام التقني للدولة، من أنظمة التشغيل التي تعمل عليها الحواسيب والخوادم، مرورًا بالشبكات التي تنقل البيانات، وصولًا إلى قواعد البيانات التي تحفظ المعلومات الحساسة. إذا كانت هذه الطبقات تعتمد بالكامل على منظومات أجنبية، فإن التحكم الحقيقي في النظام يبقى خارج يد الدولة.
ولهذا أصبح من الضروري أن تطور الدول أنظمة تشغيل مؤمنة أو منصات وطنية معدلة، وأن تبني شبكات حكومية وعسكرية ذات خصوصية عالية، وأن تمتلك برامجها الخاصة لإدارة قواعد البيانات وتحليل المعلومات. فأنظمة التشغيل هي الطبقة التي تتحكم في كل العمليات داخل الحاسوب، وأي ثغرة فيها قد تتحول إلى مدخل اختراق استراتيجي.
وتؤكد التجارب الحديثة خطورة الاعتماد التقني الكامل على الخارج. ففي إحدى العمليات التي استهدفت الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، تحدثت تقارير عن أن الجهات التي خططت للعملية حاولت أولًا تعطيل جزء من منظومة الاتصالات والبيئة الرقمية المحيطة، بهدف إرباك أجهزة الدولة وتعطيل القدرة على التنسيق قبل تنفيذ التحرك الميداني. هذه الواقعة تعكس بوضوح كيف يمكن للسيطرة على الفضاء الرقمي أن تسبق أي عملية سياسية أو أمنية على الأرض.
وفي الحرب السودانية ظهر بوضوح كيف أصبحت شبكات الاتصالات والإنترنت جزءًا من ميدان الصراع. فقد أدت الانقطاعات المتكررة في شبكات الاتصال والإنترنت إلى إرباك كبير في التنسيق ونقل المعلومات، وهو ما أثر مباشرة على إدارة العمليات وعلى قدرة الأطراف المختلفة على السيطرة على المشهد.
أما المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، والتي ظهر جانب منها بوضوح منذ حرب أكتوبر في العام الماضي، وما يتواصل اليوم من صراع متعدد الأدوات بين الأطراف ذاتها، فهي تقدم مثالًا حيًا على التحول الكبير في مفهوم الحرب. فالمواجهة لم تعد تعتمد فقط على الجيوش التقليدية، بل أصبحت ساحة تتداخل فيها العمليات السيبرانية، والطائرات المسيّرة، والحرب الإلكترونية، والعمليات الاستخباراتية الدقيقة.
هذه التطورات تعكس تغيرًا عميقًا في طبيعة الصراع العسكري المعاصر، حيث أصبحت التكنولوجيا والبيانات والفضاء الرقمي عناصر حاسمة في تحديد ميزان القوة.
ولهذا فإن بناء بنية رقمية وطنية متماسكة لم يعد خيارًا تقنيًا بل ضرورة استراتيجية. هذه البنية تبدأ من أنظمة التشغيل، وتمتد إلى شبكات سيادية معزولة وآمنة، وتشمل منصات وطنية لإدارة قواعد البيانات، وأنظمة تشفير واتصال لا تعتمد بالكامل على المنظومات العالمية.
لذلك
فالدولة التي لا تملك سيادة على أنظمتها الرقمية، ولا تتحكم في شبكاتها وبرمجياتها وقواعد بياناتها، ستظل عرضة للاختراق والتعطيل في أي لحظة. وفي عصر الحروب الإلكترونية، من لا يملك بنيته التقنية… فهو خارج المعركة قبل أن تبدأ.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.