*مسارات* *د.نجلاء حسين المكابرابي* *نهاية زمن البنادق المتعددة… قرار ياسر العطا يفتح معركة الدولة ضد فوضى السلاح*
*مسارات*
*د.نجلاء حسين المكابرابي*
*نهاية زمن البنادق المتعددة… قرار ياسر العطا يفتح معركة الدولة ضد فوضى السلاح*

—————–
في لحظات التحولات الكبرى لا تكون القرارات مجرد تدابير إدارية، بل تصبح إعلاناً صريحاً عن اتجاه الدولة ومصيرها. ومن هذا المنظور يجيء قرار عضو مجلس السيادة الفريق أول ياسر العطا بدمج القوات المساندة داخل منظومة القوات المسلحة السودانية كخطوة جريئة تلامس جوهر الأزمة السودانية: أزمة السلاح خارج الدولة.
فالسودان لم يدخل أزماته المتلاحقة بسبب السياسة وحدها، بل لأن البندقية خرجت من يد الدولة إلى أيدي جماعات وتشكيلات متعددة، لكلٍ منها ولاءاتها وحساباتها. وعندما تتعدد البنادق، يتشظى القرار الوطني، وتصبح الدولة مجرد كيان هش يتقاسم النفوذ مع القوى المسلحة.
لهذا فإن قرار دمج القوات المساندة ليس إجراءً تنظيمياً عابراً، بل هو محاولة صريحة لكسر الحلقة التاريخية التي جعلت السودان أسيراً لظاهرة الجيوش الموازية والمليشيات المسلحة.
معركة الدولة ضد الفوضى المسلحة
لقد كشفت الحرب الأخيرة بوضوح أن أكبر تهديد لوجود الدولة ليس العدو الخارجي، بل تفكك القوة العسكرية داخلها. فالدول لا تنهار فقط بسبب الهزائم العسكرية، بل حين تفقد قدرتها على احتكار القوة وتنظيمها.
وعندما يطرح قرار دمج القوات المساندة، فإن الرسالة الأساسية هي أن السودان لا يمكن أن يستمر كدولة إذا بقيت البنادق موزعة خارج إطار المؤسسة العسكرية الرسمية.
فالدولة الحديثة لا تقوم إلا على قاعدة واضحة:
جيش واحد… قيادة واحدة… وعقيدة عسكرية واحدة.
خطوة نحو إنهاء اقتصاد الحرب
تعدد التشكيلات المسلحة لم يكن مجرد ظاهرة أمنية، بل أصبح مع مرور الزمن جزءاً من اقتصاد الحرب، حيث تتشكل مصالح ونفوذ حول السلاح والصراع. ولذلك فإن أي محاولة لإعادة توحيد القوة العسكرية تصطدم حتماً بمصالح قوى اعتادت العمل خارج إطار الدولة.
ومن هنا تبدو خطوة الدمج أيضاً معركة سياسية ضد بنية الفوضى التي تغذت على الانقسامات المسلحة.
بين الدولة والمليشيا
التاريخ الحديث في السودان يقدم درساً واضحاً: كلما تضخم دور التشكيلات المسلحة خارج الجيش، ضعفت الدولة وتراجعت مؤسساتها. وما حدث في السنوات الأخيرة كان نتيجة مباشرة لهذا الخلل البنيوي.
إن القرار الذي أعلنه الفريق أول ياسر العطا يضع السودان أمام خيارين لا ثالث لهما:
إما الدولة التي تحتكر السلاح وتديره عبر مؤسساتها،
أو الفوضى التي تتقاسم فيها المليشيات السلطة والنفوذ.
اختبار الإرادة الوطنية
لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في إصدار القرار، بل في القدرة على تنفيذه. فدمج القوات يحتاج إلى مشروع إصلاح عسكري شامل يقوم على التدريب وإعادة الهيكلة والانضباط المؤسسي، بعيداً عن الاعتبارات السياسية الضيقة.
كما يتطلب دعماً مجتمعياً وسياسياً واسعاً، لأن توحيد السلاح هو في النهاية مشروع وطني لبناء الدولة لا مجرد ترتيب عسكري داخلي.
لحظة فاصلة في تاريخ السودان
ربما يكون هذا القرار واحداً من أكثر القرارات حساسية في مسار السودان المعاصر، لأنه يمس معادلة القوة في البلاد. لكنه في الوقت ذاته يمثل فرصة تاريخية لإعادة تأسيس الدولة على قاعدة واضحة: لا قوة مسلحة خارج المؤسسة العسكرية الوطنية.
فالسودان الذي أنهكته الحروب والانقسامات يحتاج اليوم إلى خطوة تعيد ترتيب المشهد من جذوره. وإذا ما نجح مشروع دمج القوات المساندة، فقد يكون ذلك بداية النهاية لعقود من الفوضى المسلحة وبداية الطريق نحو دولة قوية قادرة على حماية سيادتها وصيانة وحدتها.
وفي النهاية، فإن معركة السودان الحقيقية ليست فقط في ميادين القتال، بل في استعادة فكرة الدولة نفسها. والجيش الوطني الموحد هو أول أعمدة هذه الدولة وأهم ضمانات بقائها.
