أمواج ناعمة هل تُجدي دبلوماسية البيان مع قعقعة الميدان؟ د. ياسر محجوب الحسين
أمواج ناعمة
هل تُجدي دبلوماسية البيان مع قعقعة الميدان؟
د. ياسر محجوب الحسين
حين اجتمع رؤساء أركان 43 دولة ومنظمة في الرياض أواخر يوليو الماضي، لم يكن المشهد احتفالا دبلوماسيا عابرا، بل اعترافا ضمنيا بأن البحر الأحمر ومضيق باب المندب، تلك الشرايين التي تغذي التجارة العالمية وإمدادات الطاقة، قد تحولا إلى ساحة مكشوفة للتهديد. من رحم هذا الإدراك المتأخر، أعلنت السعودية عبر وزارة الدفاع مبادرة «التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات»، في خطوة تحمل بين طياتها طموحا كبيرا وسؤالا أكبر: هل يكفي التوقيع على بيان مشترك لردع صاروخ أو اعتراض طائرة مسيرة؟
ليس البحر الأحمر مجرد ممر مائي بين قارتين؛ إنه شريان استراتيجي حيوي يربط المحيط الهندي بالبحر المتوسط عبر قناة السويس، ويمر عبره ما يقرب من 12 إلى 15 في المئة من حجم التجارة العالمية، ونسبة معتبرة من ناقلات النفط والغاز المسال التي تغذي الأسواق الأوروبية والآسيوية. مضيق باب المندب، البوابة الجنوبية الضيقة لهذا البحر، يُعد واحدا من أهم المضائق البحرية في العالم، حيث تتحكم سيطرته في تدفق الطاقة والتجارة بين الشرق والغرب. أي اضطراب فيه لا يقتصر أثره على دول الضفتين، بل يمتد إلى أسعار الطاقة العالمية، وسلاسل الإمداد، وتكاليف التأمين البحري التي ترتفع فجأة لتثقل كاهل الاقتصاد الدولي. وفي السنوات الأخيرة، خاصة بعد تصاعد الهجمات على السفن التجارية منذ أواخر 2023، تحول هذا الممر من طريق آمن نسبيا إلى منطقة رمادية تتكاثر فيها التهديدات: من القرصنة التقليدية قبالة السواحل الصومالية، إلى الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة والزوارق المفخخة، وصولا إلى الإعلان عن حصار بحري معلن يستهدف دولا بعينها.
هذا الواقع لم يكن مفاجئا تماما. فمنذ سنوات طويلة حذّر خبراء الأمن البحري من هشاشة المنطقة، وسعَت قوى دولية وإقليمية إلى إنشاء آليات متعددة: من القوات البحرية المشتركة إلى عمليات أوروبية مثل «أسبيديس»، مرورا بتحالفات مؤقتة لحماية الملاحة. غير أن هذه الآليات ظلت جزئية أو موسمية، وتعاني في كثير من الأحيان من محدودية التفويض أو التردد السياسي أو غياب التنسيق الحقيقي بين اللاعبين. أما مجلس الدول المشاطئة للبحر الأحمر الذي تأسس عام 2020، فقد بقي إطارا سياسيا أكثر منه عملياتيا. وهكذا تراكمت الثغرات حتى انفجر الواقع في وجه الجميع.
انبثق عن لقاء الرياض بيان مشترك وقعته 14 دولة مؤسسة وداعمة، تتصدرها السعودية بوصفها الدولة القائدة ومقر التحالف الدائم، إلى جانب الكويت والبحرين وقطر ومصر والأردن واليمن وتركيا وباكستان وبنغلاديش ونيجيريا والسودان وجيبوتي والصومال. دول أخرى أبدت دعمها مع ترك الباب مفتوحا لاستكمال إجراءاتها الوطنية. ويطمح التحالف، وفق ما أعلن، إلى تعزيز الأمن البحري وحماية حرية الملاحة وتأمين طرق التجارة وإمدادات الطاقة، عبر بنية مؤسسية تشمل قيادة مشتركة ومركز قيادة وسيطرة ومركز عمليات بحرية وأمانة عامة، جميعها تتخذ من السعودية مقرا لها. وأصر البيان على وصف الإطار بأنه «دفاعي خالص» لا يستهدف دولة أو تحالفا بعينه، مع ترك قرار المشاركة الفعلية في العمليات رهنا بالسيادة الوطنية لكل دولة عضو.
لم يأت الإعلان من فراغ. فقبل عشرة أيام فقط، أعلن الحوثيون ما وصفوه بـ«حصار بحري» على السعودية، وسط سلسلة هجمات طالت ناقلات وبنية تحتية مرتبطة بالمملكة. هذا التسلسل الزمني الضيق بين التهديد والاستجابة يكشف طبيعة الخطوة: رد فعل عاجل على واقع متفجر، لا مبادرة استراتيجية مخطط لها بهدوء مسبق. وهنا يكمن جوهر الإشكال؛ فالتحالف، بصياغته الحالية، أقرب إلى فعل دبلوماسي يحمل قوة معنوية أكثر منه أداة ردع عملياتية. إنه رسالة جماعية مفادها أن حرية الملاحة مسؤولية مشتركة، وأن الرياض قادرة على جمع أطراف متعددة ومتباينة تحت سقف واحد. لكن في مواجهة تهديدات ملموسة تُطلق من البحر والجو، لا تصمد البيانات والمواثيق أمام اختبار الواقع. المقرات الرئيسية والأمانات العامة لا تعترض صاروخا، ولا تسقط طائرة مسيرة، ولا تفتح ممرا مغلقا بقوة القانون وحده.
والأخطر من ذلك أن غالبية الدول المشاركة تفتقر إلى قوة بحرية رادعة حقيقية. أساطيل محدودة الحجم والتجهيز، وخبرة قتالية بحرية متواضعة في بيئة عالية التهديد تتطلب قدرات متقدمة في الدفاع الجوي البحري، والكشف المبكر، والاعتراض السريع، والعمليات الليلية، والتنسيق الاستخباراتي العابر للحدود. غياب قوى بحرية كبرى ذات حضور رادع واضح ومستمر يترك التحالف، من الناحية العملية، أقرب إلى إطار تنسيقي ومعنوي منه إلى قوة قادرة على فرض إرادتها في المياه المتنازع عليها. فالدبلوماسية الجماعية مهمة، لكنها تبقى «أمواجا ناعمة» حين يواجهها قعقعة السلاح وصوت المدافع في الميدان.
الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها هي أن الممرات البحرية الحيوية لا تُحمى بالاجتماعات والبيانات المشتركة وحدها، بل بقدرة عسكرية بحرية حقيقية، مستمرة، ورادعة فعليا. ما لم يترجم هذا التحالف إلى قدرات تشغيلية ملموسة، عبر تمارين مشتركة جادة وتنسيق استخباراتي فعال، وربما لاحقا حضور بحري فعلي في المناطق الأكثر خطورة، فإنه سيبقى، في أفضل تقدير، محاولة متأخرة لترتيب الصفوف بعد اشتعال الجبهة. وفي أسوأ الأحوال، لن يكون أكثر من صدى دبلوماسي لا يغير شيئا في موازين القوة على الأرض والبحر.
السؤال الذي سيحدد مصير هذا التحالف ليس عدد الدول الموقعة على بيانه التأسيسي، ولا حجم المقرات التي ستُفتتح في الرياض، بل ما إذا كانت الإرادة السياسية ستتحول إلى استثمار حقيقي في القدرات البحرية خلال الأشهر المقبلة. فالتاريخ لا يرحم التحالفات التي تُبنى على الورق وحده، ولا يغفر لمن يظن أن البيان المشترك يمكن أن يحل محل السفينة الحربية في لحظة الحقيقة.
