منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

من كرري إلى اليوم….. السودان لا يستسلم ================ ✍️ د. الشاذلي عبداللطيف

0

من كرري إلى اليوم.. السودان لا يستسلم
================
✍️ د. الشاذلي عبداللطيف

في كرري لم تكن البنادق وحدها تتكلم، بل كان السودان كله يتكلم.
في صباح الثاني من سبتمبر 1898، وعلى سهول كرري شمال أم درمان، واجه السودانيون القوات البريطانية المصرية بقيادة كتشنر، في معركة اختل فيها ميزان السلاح بصورة هائلة. كانت المدفعية الحديثة، والبنادق السريعة، ومدافع المكسيم، في مواجهة رجال امتلكوا من العزيمة أكثر مما امتلكوا من أدوات الحرب.
كان الحديد أقوى.
لكن الإرادة كانت أصلب.
تقدمت الصفوف تحت النار، وسقط رجال فتقدم آخرون، حتى تحولت كرري من مجرد معركة عسكرية إلى رمز خالد في الوجدان السوداني: قد يخسر السوداني ميدانا، لكنه لا يسلم إرادته.
حتى خصومهم سجلوا دهشتهم من شجاعتهم. كتب ونستون تشرشل عن الحرب في The River War، كما وثق المراسل الحربي البريطاني G. W. Steevens مشاهد من ذلك اليوم، وبقيت صورة المقاتل السوداني المتقدم نحو النار واحدة من أكثر صور كرري حضورا في التاريخ.
ولهذا فإن كرري ليست ذكرى للهزيمة.
كرري ثورة ضد الاستسلام.
فالمدفع يستطيع أن يقتل الرجال، لكنه لا يستطيع أن يقتل معنى الوطن.
ومن كرري امتدت الروح السودانية: في مقاومة الاستعمار، وفي كل موقف رفض فيه السوداني التبعية، وفي كل جندي حمل واجب حماية الأرض، وفي كل مواطن رفض أن تتحول بلاده إلى غنيمة.
واليوم تغيرت أدوات الصراع.
لم يعد النفوذ الخارجي يحتاج دائما إلى جيوش تعبر الحدود تحت أعلام أجنبية. قد يأتي عبر المال، والسلاح، وشراء الولاءات، وإشعال النزاعات، واستغلال القبيلة، وتحويل الخلاف السياسي إلى بوابة تدخل منها الأطماع إلى الذهب والأرض والمياه والثروات.
لذلك فإن معركة السودان اليوم ليست معركة بندقية وحدها.
إنها معركة سيادة.
معركة دولة.
معركة اقتصاد.
ومعركة وعي.
الاستسلام اليوم ليس فقط أن ترفع الراية البيضاء، بل أن تسمح لغيرك أن يكتب مصير وطنك، وأن يصبح الخارج أقرب إلى السياسي من شعبه، وأن تتحول القبيلة إلى جيش، والحزب إلى وطن، والمصلحة الخاصة إلى مشروع قومي.
وهنا تعود كرري لتصرخ فينا:
السودان أكبر من خلافاتكم.
لا نريد كرري جديدة من الدم.
نريد روح كرري في البناء.
نريد شجاعة الجندي في حماية السيادة، وشجاعة السياسي في تقديم الوطن على الحزب، وشجاعة المسؤول في محاربة الفساد، وشجاعة المواطن في رفض العصبية والتبعية.
لقد حمل رجال ذلك الزمن معنى: النصر أو الجنة.
أما معركة هذا الجيل فشعارها:
السودان أو السودان.
لا سيادة مع تعدد الجيوش.
لا حرية مع الارتهان.
لا وطن تصنعه لنا عواصم الآخرين.
ومن كرري إلى اليوم تغير السلاح وتغيرت أسماء القوى، لكن السؤال بقي واحدا:
هل يكون السودان سيد قراره أم ساحة لمصالح الآخرين؟
وجوابنا واضح:
لن يستسلم السودان.
لن تباع أرضه.
لن تكون موارده غنيمة.
فالرجال الذين واجهوا المكسيم لم يورثونا الهزيمة
ورثونا وطنا يرفض الاستسلام.
السودان أولا.
جيش واحد.. شعب واحد.. وطن واحد.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.