منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

الديمقراطية ليست رخصة لإغلاق الطريق! بقلم ✍️:حسبو علي بخيت

0

الديمقراطية ليست رخصة لإغلاق الطريق!
بقلم ✍🏼:حسبو علي بخيت

هناك سوء فهم خطير بدأ يتسلل إلى الوعي العام في السودان، منذ الحراك الذي اندلع في ديسمبر ٢٠١٨م، حين بدأ الخلط بين الحرية والفوضى، وبين الديمقراطية وأخذ الحق باليد، وبين الاحتجاج السلمي والاعتداء على مصالح الدولة والمواطنين.
وكأن الديمقراطية تعني أن يفعل الإنسان ما يشاء، متى شاء، وكيفما شاء، ثم يرفع فوق ذلك كله لافتة «حرية التعبير»!
كلا وحاشا؛ الديمقراطية ليست رخصة للفوضى، والحرية ليست تصريحًا بإيذاء الآخرين.
من حق المواطن أن يغضب، وأن يحتج، وأن يرفض قرارًا حكوميًا، وأن يخرج إلى الشارع مطالبًا بحقه؛ لكن ليس من حقه أن يحوّل الطريق القومي إلى ملكية خاصة، فيغلقه أمام الناس، ويحتجز المركبات، ويعطل الشاحنات، ويمنع المرضى والمسافرين وأصحاب الحاجات من الوصول إلى وجهاتهم.
وهنا ينبغي أن نسأل: ما ذنب المريض الذي يحتاج إلى المستشفى بصورة عاجلة، فيجد الطريق مغلقًا لأن مجموعة قررت أن تأخذ حقها من الدولة بهذه الطريقة؟ وما ذنب امرأة حامل؟ وما ذنب طفل مريض؟ وما ذنب سائق شاحنة يحمل الغذاء والدواء للسودانيين؟ وما ذنب المواطن الذي يسعى خلف رزقه ولا علاقة له بالقرار الذي يحتج عليه المعتصمون؟
هل هؤلاء هم الذين ينبغي أن يدفعوا ثمن خطأ الحكومة؟
فالحق لا يصبح باطلًا لأنه طُلب، ولكن طريقة طلب الحق قد تكون باطلة.
ولنفترض أن أهل جبيت مظلومون في قضية الكهرباء، وأن برمجة القطوعات ألحقت بهم ضررًا حقيقيًا، وأن المسؤولين أخطأوا في تقدير احتياجات المدينة؛ فكل ذلك يمكن مناقشته، والوقوف إلى جانب المواطنين في مطالبهم المشروعة. لكن عدالة القضية لا تمنح المحتج حق الاعتداء على الطريق العام أو انتهاك حقوق الآخرين.
فإن كنت تطالب الدولة بالكهرباء، فلا تعاقب المواطن الذي لا علاقة له بقرار الكهرباء. وإن كنت تطالب بالعدالة، فلا تجعل الطريق ساحة لمعاقبة الأبرياء. وإن كنت تحتج على الدولة، فلا تجعل المواطن العادي أول ضحايا احتجاجك.
الديمقراطية لا تعني الفوضى
ومن يعتقد أن إغلاق الطرق أو تعطيل المرافق العامة يدخل تلقائيًا تحت مظلة الديمقراطية، فليتأمل التجربة الألمانية؛ فحرية التجمع والتظاهر هناك مكفولة، لكنها ليست حصانة مطلقة من القانون. وعندما يتحول الاحتجاج إلى عرقلة خطيرة لحركة المرور أو تهديد للسلامة العامة أو اعتداء على الممتلكات، تتدخل السلطات وفق القانون وفرض هيبة الدولة.
وهذه هي المعادلة التي ينبغي أن نفهمها: الديمقراطية تحمي حقك في الاحتجاج، والقانون يحمي حق الآخرين في الحياة والحركة والعمل.
فثمة فارق هائل بين أن تقف في ساحة وترفع لافتة، وبين أن تقف في منتصف الطريق وتمنع آلاف الناس من المرور. الأول احتجاج، والثاني قد يتحول إلى اعتداء على حقوق الآخرين.
وهناك فارق بين انتقاد الحكومة، وبين تكسير أعمدة الإنارة التي دُفعت قيمتها من أموال الشعب، أو تخريب الممتلكات العامة بحجة أن الدولة هي المالكة لها.
فمن قال إن مال الدولة ليس مال الشعب؟
حين تحطم عمود إنارة فأنت لا تعاقب الحكومة وحدها؛ بل تحرم مواطنين من الإنارة. وحين تدمر مرفقًا عامًا، فأنت لا تنتقم من المسؤول؛ بل تستهلك مالًا عامًا جديدًا لإصلاح ما هدمته. وحين تغلق الطريق القومي، فأنت لا توقف الحكومة وحدها؛ بل توقف السودان نفسه.
لقد عانى السودان بما يكفي من عقلية «أخذ الحق باليد». ودفع الشعب ثمنًا باهظًا من الأرواح والدماء والنزوح والخراب، وليس من الحكمة أن نواصل إنتاج الفوضى في حياتنا اليومية ثم نسميها حرية.
وفي المقابل، تقع على الدولة مسؤولية لا تقل أهمية؛ فالتهاون في تطبيق القانون يربي الفوضى، ويبعث برسالة خطيرة مفادها أن القانون يمكن تجاوزه إذا كان الصوت عاليًا أو المجموعة كبيرة.
الدولة القوية هي التي لا تترك الفوضى بلا حساب وتحمي في الوقت نفسه حقوق بقية المواطنين، وتطبق القانون على الجميع بلا استثناء.
فلترفع الدولة هيبة القانون
يا أهل السودان، لسنا ضد الاحتجاج، ولسنا ضد المطالبة بالحقوق، ولسنا ضد أهل جبيت أو غيرهم ممن يطالبون بالكهرباء والماء والخبز والدواء والخدمات.
لكننا ضد أن تتحول المطالبة بالحق إلى عقوبة جماعية للمجتمع، وأن يصبح المواطن خصمًا للمواطن، والطريق القومي رهينة في يد أي مجموعة.
فالحقوق تُطالب بها بالوعي والتنظيم والقانون والضغط السياسي والإعلامي، لا بالفوضى والتخريب.
على الدولة أن تفرض هيبة القانون، وألا تتهاون مع من يعبث بالمرافق العامة أو يقطع الطرق أو يعتدي على حقوق المواطنين، وأن تواجه كل من يتخذ من شعار «أخذ الحقوق» ذريعة للفوضى بالصرامة القانونية اللازمة؛ فالهيبة لا تُبنى بالعنف، وإنما بسيادة القانون وتطبيقه على الجميع دون استثناء.
فالسودان الذي أنهكته الحروب لا يحتمل فوضى جديدة؛ فالوطن لا يُبنى بحجرٍ يسد الطريق، وإنما بقانونٍ يفتح الطريق أمام الجميع

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.