استراحة الجمعة حين يخبر القرآن بالمصير ✍️ د. الشاذلي عبداللطيف
استراحة الجمعة
حين يخبر القرآن بالمصير
✍️ د. الشاذلي عبداللطيف

في القرآن آيات نمر عليها كثيرا، لكن الوقوف عندها بقلب متدبر يفتح أمام الإنسان أبوابا واسعة من اليقين.
ومن السور القصيرة التي تحمل معنى عظيما سورة المسد:
{تبت يدا أبي لهب وتب * ما أغنى عنه ماله وما كسب * سيصلى نارا ذات لهب * وامرأته حمالة الحطب * في جيدها حبل من مسد}.
نزلت هذه السورة في أبي لهب، عم النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يومها حيا، معروفا بعدائه الشديد للدعوة. ولم يكن الحديث عنه وصفا لموقف عابر، بل جاء القرآن مخبرا عن مآله، ثم مضت الأيام والسنوات ومات أبو لهب على كفره كما أخبر الله سبحانه وتعالى.
وهنا موطن التأمل.
فالقرآن ليس كتاب توقعات بشرية، ولا قراءة سياسية لاحتمالات المستقبل، وإنما وحي من الله الذي يعلم السر وأخفى، ويعلم ما كان وما يكون.
وقد يتساءل بعض الناس: ألم يكن في استطاعة أبي لهب أن يعلن الإسلام ظاهرا لمجرد محاولة إحراج المسلمين؟
والجواب أن المسألة أعمق من مجرد كلمات تقال باللسان؛ فالقرآن أخبر بمآله عند الله، والله سبحانه يعلم حقيقة القلوب، ويعلم الصادق من المنافق. ولو ادعى أحد الإيمان بلسانه وأبطن الكفر، فإن ذلك لا يغير من حقيقة أمره عند الله شيئا.
ومن هنا فإن دلالة السورة ليست رهانا بشريا على تصرف رجل، وإنما شاهد على إحاطة علم الله بخلقه ومصائرهم.
لقد امتلك أبو لهب المال والمكانة والنسب، وكان قريبا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قرابة دم، ولكن شيئا من ذلك لم يغن عنه حين اختار طريق العناد.
{ما أغنى عنه ماله وما كسب}.
وفي هذه الآية درس لا يخص أبا لهب وحده، بل يخص كل إنسان.
فالمال لا ينقذ صاحبه إذا فسد العمل، والنسب لا يقدم صاحبه عند الله، والمنصب لا يصنع قيمة أبدية، وإنما يبقى للإنسان ما قدمه بين يدي ربه.
وسورة المسد تعلمنا كذلك أن القرب من الصالحين لا يكفي ما لم يصحبه إيمان وعمل. كان أبو لهب من أقرب الناس نسبا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك لم تنفعه القرابة.
فالعبرة ليست بمن تعرف، ولا إلى من تنتسب، وإنما بمن أنت عند الله.
وحين نقرأ القرآن بهذه الروح، ندرك أن الإعجاز ليس في جمال اللفظ وحده، بل في صدق الخبر، وعمق المعنى، ودقة الوعد والوعيد، وفي قدرته على مخاطبة الإنسان في كل زمان.
إن سورة لا تتجاوز بضعة أسطر تستطيع أن تهدم غرور المال والنسب والجاه، وتضع الإنسان أمام الحقيقة الكبرى:
أن الله يعلم السرائر، وأن المصير بيده، وأن النجاة لا تكون إلا بالإيمان الصادق والعمل الصالح.
فتعالوا في استراحة هذه الجمعة نسأل أنفسنا: ماذا أغنى عنا ما جمعنا؟ وماذا أعددنا ليوم لا ينفع فيه مال ولا جاه، إلا من جاء الله بقلب سليم؟
اللهم ارزقنا قلوبا مؤمنة، وأعمالا صالحة، وخواتيم حسنة، واجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا، واهدنا به إلى صراطك المستقيم.
جمعة مباركة، جعلها الله جمعة يقين ومغفرة ورحمة
