منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي
آخر الأخبار
البعد_الاخر مصعب بريــر اليوم العالمي لصحة البيئة: لماذا نبارك لمن ندفنه بصمت قاتل ؟ إشادة أكاديمية برسالة دكتوراه حول توظيف الدراما في الإعلام التنموي بجامعة السودان ألسنة وأقلام يوميات عائد إلى الخرطوم - الحلقة الأولى - يوم الوصول بابكر إسماعيل وبرغم التوقع .. عبد المعز حسين مكابرابي حلحلت الأزمات السودانية ..بين تغيير النفوس..وتجديد النوايا ا... المخرج سيف الدين حسن .. (خمسة شهود) علي التميز والابدع وعشر كؤوس شهود على المثابرة والطموح =======... خبر وتحليل | عمار العركي ================ اليوم الرابع للحرب الإثيوبية: تصعيد في الداخل واتهام للخا... خبر وتحليل | عمار العركي ================ تحالف السبعة.. ماذا بعد تسقط بس أفق ثقافي توفيق جعفر ================ مسار الهجرة في الأدب السوداني : قراءة موضوعية في تطوره ..! يا سفارات السودان.. افتحوا أبواب العلم الآن ================ ✍️ د. الشاذلي عبداللطيف وبرغم التوقع.. عبد المعز حسين إبراهيم الثقل الاستراتيجي للبحر الأحمر في التوازنات الدولية..(السودان...

البعد_الاخر مصعب بريــر اليوم العالمي لصحة البيئة: لماذا نبارك لمن ندفنه بصمت قاتل ؟

0

البعد_الاخر
مصعب بريــر
اليوم العالمي لصحة البيئة: لماذا نبارك لمن ندفنه بصمت قاتل ؟

هل سألت نفسك يوماً لماذا ننتبه دائماً بعد فوات الأوان؟ نسمع صوت الانهيار، فنهرول نحو الأنقاض، لكننا لا نسأل أبداً: من كان يحرس الجدار قبل أن يتصدع؟

في السادس والعشرين من سبتمبر من كل عام، يمر اليوم العالمي لصحة البيئة علينا كظلٍّ عابر. لا ضجيج، لا خطابات، لا شيء يذكرنا بأن هذا القطاع الهادئ هو صمام الأمان الأول لحياتنا اليومية. لكن المناسبة هذا العام جاءت مختلفة قليلاً. جاءت متزامنة مع ورشة علمية في السودان حول آثار التغير المناخي على خدمات صحة البيئة، وجاء معها إشادة اتحادية بجهود ولاية القضارف في تطوير هذه الخدمات. وهنا، وسط هذا الضجيج الإيجابي، يجب أن نتوقف ونسأل السؤال الذي يختبئ خلف كل الاحتفالات الرسمية: هل نحن أمام استجابة حقيقية، أم أمام مجرد تصفيق في قاعة مغلقة؟

جوهر القضية باختصار هو هذا: هناك منظومة كاملة اسمها “صحة البيئة” تختص بحماية الناس من الأمراض قبل أن تصل إليهم. لا تنتظرهم في المستشفيات، بل توقفهم عند قطرة ماء ملوثة، عند بركة راكدة تتكاثر فيها البعوض، عند رغيف خبز فاسد، عند رصيف متكدس بالنفايات. هذه المنظومة تعاني اليوم من مشكلة وجودية، ليست في الموارد فقط، بل في الهوية والتمكين. والسؤال الذي يفرض نفسه: متى ستستجيب وزارة الصحة الاتحادية لمتطلبات تمكين هذه المنظومة من أداء مهامها؟ ليس بالتصفيق للولايات، بل بإصلاح الهيكل نفسه.

لنفتح الصندوق طبقة طبقة.

السبب الأول الذي يراه الجميع هو الحرب. نعم، الحرب دمّرت البنية التحتية، وأخرجت محطات المياه عن الخدمة، وفجّرت أزمة نزوح هي الأضخم في العالم. لكن هذا ليس سوى السطح. السطح الذي يخفي تحته جذوراً أعمق.

النتيجة المباشرة لهذا الدمار نراها جميعاً. الكوليرا تفشت وحصدت أرواحاً، وحمى الضنك تجاوزت آلاف الحالات، والملاريا ارتفعت معدلاتها بشكل مرعب. لكن ما لا يُرى هو أن هذه الكوارث لم تكن لتحدث بهذه الحدة لو أن منظومة صحة البيئة كانت قوية أصلاً قبل الحرب. انظر كيف تسللت هذه النتيجة لتصبح سبباً جديداً: ضعف المنظومة قبل الحرب جعلها تنهار بسرعة أثناءها، وانبعاجها أثناء الحرب جعلها عاجزة عن الاستجابة، وهذا العجز سيلد موجات وباء جديدة حتى بعد توقف الرصاص.

وهنا مربط الفرس. القضية ليست في نقص الكلور أو الناموسيات، بل في ذهنية إدارية ترفض الاعتراف بأن صحة البيئة علم قائم بذاته، له أدواته وخبراؤه ومقاييسه. منذ العام 1988، حين رفع الدكتور محمد إبراهيم الإمام خطاباً رسمياً لترفيع إدارة صحة البيئة إلى إدارة عامة، ووافق الوزير حينها، والملف يُدفن ثم يُبعث ثم يُدفن مجدداً. وفي العام 2009، صدر قانون صحة البيئة القومي الذي نص صراحة على إنشاء مجلس قومي لصحة البيئة. أين هذا المجلس اليوم؟ حبر على ورق. بينما إدارات أقل تأثيراً جرى ترفيعها، وصحة البيئة تُضم قسراً تحت مظلات أخرى، في عملية تمييع ممنهجة تطمس الهوية المهنية وتُفقد التخصص قدرته على المواجهة.

هذا ليس خلافاً إدارياً عادياً. هذا لوبي مؤسسي يخشى وجود إدارة قوية مستقلة لصحة البيئة، لأن الاستقلال يعني مساءلة، ومساءلة تعني كشف تقصير، وكشف تقصير يعني اهتزاز كراسي. هكذا تسللت الحسابات الضيقة لتُضعف خط الدفاع الأول عن صحة المواطن.

والأمر لا يتوقف عند هذا الحد. في العام 2008، حين غزت أسراب البعوض الخرطوم، طالبت السلطات بالرش الجوي. فكتب البروفيسور عيسى محمد عبد اللطيف، رئيس الجمعية السودانية لحماية البيئة حينها، مقالاً قال فيه بصراحة: “الرش بالطائرات لا وألف لا”. وأثبتت دراسة ميدانية أن ما يصل من المبيدات إلى البعوض لا يتجاوز 15%، والباقي يلوث الهواء والماء والتربة ويضر بالبشر والحيوان. السلطات وعدت، ثم عادت للرش الجوي في العام التالي. وكأن كل وزارة من كوكب آخر. واليوم، بعد كل هذه السنوات، نرش مدينة بورتسودان بالطائرات لمدة أسبوعين، ثم نعود لنصائح الجمعية ذاتها: ركّزوا على صحة البيئة، جففوا المياه الراكدة، رشّوا موضعياً. وبالفعل، خلال أسبوع واحد من تفعيل حزمة خدمات صحة البيئة، بدأت السيطرة تتحقق. يا للهول!

طيب، هذا معناه شنو للمواطن العادي؟

معناه أن “عم عبد الله” في سوق ليبيا بأم درمان، الذي يشتري دواءً مغشوشاً بـ40 ألف جنيه، يدفع ثمن خلل في منظومة وقاية كان يمكن أن تمنعه من المرض أصلاً. معناه أن “أم محمد” في معسكر إيواء بشرق دارفور، حيث يتشارك 85 شخصاً مرحاضاً واحداً، تعيش في بيئة مثالية لتفشي الأوبئة، لا لأن الحرب فقط، بل لأن صحة البيئة لم تُمكن يوماً من بناء أنظمة استجابة حقيقية. معناه أن طفلاً يتلقى علاجاً من الإسهال ثم يُعاد إلى ذات المستنقع وذات العراء، هو تبديد للمال والجهد، وجريمة مكتملة الأركان بحق هذا الطفل.

وهكذا نصل إلى اللحظة الحاسمة. كل هذه الخيوط تتجمع لتشير إلى حقيقة مرة واحدة: نحن لا نواجه أزمة خدمات، بل أزمة حاكمية. صحة البيئة ليست مجرد إدارة تتبع وزارة الصحة، بل هي منظومة أمن صحي قومي. إضعافها ليس خطأً إدارياً عابراً، بل تفخيخ صامت لشبكات الوقاية الصحية في كل السودان. وفي زمن الحرب، لا يمكن أن نترك هذا القطاع الحيوي رهينة لصراعات نفوذ وترفيعات مؤجلة.

بعد اخير :

خلاصة القول، اليوم العالمي لصحة البيئة ليس مناسبة للتصفيق، بل للأسئلة الصعبة. إشادة القضارف بجهودها مشروعة ومستحقة، لكنها تبقى استثناءً في مشهد عام يتراجع. المطلوب اليوم ليس ورشة علمية أخرى، بل قرار سيادي شجاع: ترفيع إدارة صحة البيئة إلى إدارة عامة في وزارة الصحة الاتحادية، وتفعيل المجلس القومي لصحة البيئة كما نص القانون، وتمكين الكوادر المتخصصة من قيادة الميدان. هذا ليس مطلباً فئوياً، بل ضرورة وطنية.

وأخيراً، إن استمرار التعطيل ليس مجرد خطأ في التوقيت. من يعرقل تمكين صحة البيئة اليوم يوقّع على شيكات فارغة، سيدفع ثمنها المواطن السوداني البسيط من صحته وعمر أطفاله. الأوبئة لا تنتظر الهياكل الهلامية، والكوارث البيئية لا تعترف باللجان المؤقتة. الضوء في آخر النفق ليس قطاراً، إذا ما قررنا نحن أن نتحرك. والسؤال سيظل قائماً: من المستفيد من إضعاف صحة البيئة؟ ومن يملك الشجاعة لإيقاف هذا العبث؟

﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.

ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.

البُعد_الآخر | مصعب بريــر

musapbrear@gmail.com

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.