منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ العفوية السودانية.. حين تتحول الفضيلة إلى نقطة ضعف ================= فريق شرطة حقوقي محمود قسم السيد محمود

0

مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ
*العفوية السودانية.. حين تتحول الفضيلة إلى نقطة ضعف
فريق شرطة حقوقي محمود قسم السيد محمود

في السودان، لا تحتاج إلى سنوات حتى يصبح الغريب قريبًا، ولا إلى كثير من الأسئلة حتى تعرف من أمامك؛ فالسوداني بطبيعته سريع الألفة، كريم المعشر، واسع الصدر، حسن الظن بالناس.
ولذلك يقال على سبيل العفوية :
«السوداني إذا أعطاك المعلومة، منحك معها وصلة زيادة!»
وقد تبدو العبارة مضحكة، لكنها تحمل في داخلها قضية تستحق التأمل: متى تكون العفوية فضيلة، ومتى تتحول إلى نقطة ضعف؟
العفوية السودانية من أجمل خصائص المجتمع، وهي امتداد للكرم وحسن الضيافة والمبادرة إلى الخير. لكن الفضيلة نفسها قد تحتاج إلى ميزان؛ لأن العفوية إذا تجاوزت حدودها قد تتحول إلى إفشاء لما ينبغي ستره، وحسن الظن إذا غاب عنه الوعي قد يتحول إلى غفلة، والثقة إذا لم تصحبها الحكمة قد تمنح الآخرين مفاتيح لا ينبغي أن تكون في أيديهم.
القرآن يعلمنا أن الحكمة ليست في الكلام وحده
في قصة يوسف عليه السلام، نجد درسًا _بليغًا في اختيار ما يُقال، ولمن يُقال.
قال يعقوب عليه السلام لابنه يوسف:
﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾:[يوسف: 5].
لم يكن هذا درسًا في سوء الظن بالناس، وإنما كان درسًا في الحكمة وحفظ ما قد يترتب على كشفه ضرر.
فالإنسان الحكيم لا يسأل نفسه فقط: هل أستطيع أن أقول؟
بل يسأل أيضًا: هل ينبغي أن أقول؟ ولمن؟ ومتى؟ وما العاقبة؟
وفي موضع آخر من القصة يقول الله تعالى:﴿ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ ۚ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا ۖ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ: [يوسف: 77].
إنها مدرسة في ضبط النفس واللسان: ليس كل ما تعرفه يُقال، وليس كل ما تستطيع قوله من الحكمة أن تقوله.
ليست كل الثقة تفويضًا مفتوحًا
قد يجلس الإنسان مع صديق أو قريب أو زميل، فيتحدث بعفوية عن أسرته، أو عمله، أو أوضاعه المالية، أو علاقاته، أو مشكلاته الخاصة، ثم يكتشف بعد ذلك أن حديثه أصبح معلومًا عند آخرين.
المشكلة هنا ليست في الطيبة، وإنما في غياب الحدود.
فالخصوصية ليست جفاءً، والحذر ليس سوء ظن، والصمت ليس ضعفًا.

وفي عصر الهواتف الذكية ووسائل التواصل، أصبحت المعلومة أسرع انتشارًا وأصعب استردادًا؛ ولذلك أصبح حفظ الخصوصية نوعًا من المسؤولية، وليس مجرد تصرف شخصي.

وقد وجّهنا القرآن إلى التثبت قبل نقل الأخبار، فقال تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِين: [الحجرات:6].

فإذا كان القرآن يأمرنا بالتثبت من الخبر قبل نقله، فكيف بالمعلومات الخاصة التي قد يترتب على نشرها ضرر على إنسان أو أسرة أو مؤسسة؟
حتى المحبة تحتاج إلى وعي

قال الله تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ۚ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾:[التغابن: 14].

والآية لا تعني أن الزوج أو الابن عدو بطبيعته، وإنما تحذر من أن يكون بعض الأقربين سببًا في الضرر أو الصد عن الخير؛ ولذلك جاء بعدها مباشرة التوجيه إلى العفو والصفح والمغفرة.

وهذا يؤكد قاعدة مهمة:
القرب لا يلغي الحكمة، والمحبة لا تعني كشف كل شيء، وحسن الظن لا يعني إلغاء الحذر.
كن طيبًا.. ولكن لا تكن ستذجا لأحد
وهنا تأتي العبارة الإنجليزية:Be kind, but don’t be a doormat for anybody.
أي:
كن طيبًا، ولكن لا تسمح لأحد باستغلال طيبتك.فالطيبة ليست سذاجة، والكرم ليس إفشاءً لكل ما نعرف، والتسامح ليس قبولًا دائمًا بالاستغلال، نحن لا نحتاج إلى أن نفقد عفويتنا السودانية، بل نحتاج إلى أن نضيف إليها الحكمة.

أن نعرف متى نتكلم، وماذا نقول، ولمن نقول، ومتى يكون الصمت أبلغ من الكلام،
فليس كل من ابتسم لك أصبح مؤتمنًا على أسرارك، وليس كل من أحببته ينبغي أن يعرف كل تفاصيل حياتك، وليس كل سؤال يحتاج إلى إجابة كاملة.

فالعفوية السودانية ستظل جميلة، والكرم سيظل قيمة، وحسن الظن سيظل خلقًا كريمًا، إذا حرس ذلك كله وعيٌ يعرف أن لكل شيء حدودًا.

كن طيبًا… ولكن كن واعيًا.

كن كريمًا… ولكن لا تكشف كل ما لديك.
ثق بالناس… ولكن لا تمنح كل إنسان مفتاح حياتك.
فالطيبة خُلُق، والحذر حكمة، وضبط اللسان مسؤولية.

والله المستعان

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.