ألسنة وأقلام* *يوميات عائد إلى الخرطوم* *الحلقة الخامسة – العودة إلى سنار (٤)* *بابكر إسماعيل*
*ألسنة وأقلام*
*يوميات عائد إلى الخرطوم*
*الحلقة الخامسة – العودة إلى سنار (٤)*
*بابكر إسماعيل*
الحافلة المرحة تنهب بنا الطريق نهباً شوقاً إلى سنار .. تعاني في سيرها من الحفر والمطبات في الطريق القومي العتيق الذي بنى منذ العام ١٩٧٠ (في ذاك التاريخ كانت دولة الأمارات ليست دولة وليست عربية ولا متحدة ..) وليس بها طرق قومية أو غير قومية .. فقط خيام وعربان وقارح..
الطريق القومي بين الخرطوم ومدني يحتاج إلى صيانة عاجلة ومسارات إضافية ليستوعب الحركة اليومية الكثيفة .. وقد تمت إضافة مسارات متعددة عند خروجه من الخرطوم وحتى جياد وكذا من مدني ولمسافة بضعة كيلومترات شمالها وكان ذلك في عهد الرئيس الأسبق المشير البشير فكّ الله أسره وفرّج كربته ..
الطريق بحالته الراهنة تعتوره حفر واسعة وشقوق وانخفاضات وهبوط لا يصلح أبداً للحركة حسب المعايير الدولية ونرجو أن توليه الحكومة الانتقالية بعض اهتمام .. بعد معاش الناس قطعاً ..
ونحن نقترب من فداسي وهي في الحقيقة فداسيان الأولى الحليماب وتقع شرق الطريق القومي والثانية فداسي العامراب وتقع غربه ..
وقرية فداسي تقع ضمن ما يسمى بمحلية مدني الكبرى وتبعد عن ود مدني بحوالي حوالي 15 كيلومتر .. ولقربها من الطريق القومي صارت بها استراحات ومطاعم للبصات السفرية .. يرتاحون فيها من وعثاء السفر ويؤدون الصلوات ويُطعِمون.
و فداسي الحليماب قرية أثيرة إلى نفسي فجدنا الأكبر أحمد البشير تزوج فيها ولدي فيها جدود وأعمام ولجدنا فيها مأثرة وتاريخ فقد أطعم أهلها إبان المجاعة التي ألمت بالدولة الجنجويدية الأولى التي أسسها محمد أحمد ود فحل وخلفه فيها التعيشي (بثلاث نقط وبغيرها) وهو عبد الله ود تورشين وكانت في العام 1306 هجرية أطعم جدنا البشير أهل فداسي كما أطعم الشيخ عبد الباقي أهل طيبته من جوع تلك السنة ومسغبتها
وكذلك تصدّى كثير من الأخيار والخيّرات لإطعام الناس في المجاعة التي نتجت من الغزوة الجنجويدية الحالية على أهل السودان والتي ابتدرها أمير الشفشافين حميدتي دقلو في ١٥/ ٤/ ٢٠٢٣ وتصدى لها كل الأحرار في السودان فقاتلوا وقاوموا ..
فداسي الحليماب من قرى الجزيرة التي اهتمت بالتعليم وبها كثير من العلماء وأساتذة الجامعات مثل المرحوم الدكتور الطاهر الدريري أستاذ الشريعة وبروفيسور مبارك المجذوب وزير التعليم العالي الأسبق وشقيقه دكتور محي الدين الذي يعمل بمنظمة الصحة العالمية ومن فداسي رجل الأعمال ورئيس نادي المريخ الأسبق جمال الوالي وشقيقه نصر الدين أستاذ الكيمياء الحيوية بالجامعات السعودية .. وبها الآن كلية جامعية ..
وأهل فداسي أهل دين وخلق .. وتعمر مساجدهم بالمصلين الذاكرين وهم أهل نخوة وجهاد وقد زارهم أمير المجاهدين البرائين المصباح طلحة فخرجت القرية عن بكرة أبيها لإستقباله والاحتفاء به مما يدل على مساندتهم لجيشنا وقواتنا المسلحة ..
ولكل قرية “قدار بن سالف” .. ولكن فداسي هي أرض أخيار أطهار .
وقد تكشف لأهل السودان جميعاً أن نظام الإنقاذ كان عاصماً للسودان من التفكك وللاقتصاد من الانهيار ومؤمّناً لأهل السودان من الخوف والجوع وكان مهاباً من جيرانه ..
ومعلوم أنه لا يخلو نظام من أخطاء وخطايا سيما أنه حكم ثلاثين عاماً ..
فبسقوط الإنقاذ وتولى تحالف قوي الحرية والتغيير مقاليد الأمور مع قادة الجيش تفككت الدولة وتمرد الدعم السريع وخرج على الجيش فدمّروا بنية الدولة التحتية ونهبوا المصارف والمتاجر والبيوت واغتصبوا الحرائر وسفكوا الدماء أنهاراً وأهانوا الرجال واستعبدوهم في الجزيرة وغيرها ودفع أهل السودان كلهم الثمن ومنهم أهل الجزيرة بما فيهم أهل فداسي ..
فلم يشفع لأهل فداسي أن أحد أبنائهم تحالف مع المليشيا وناصرها في جميع المحافل وتلطخت يده التي صافح بها زعيم الجنجويد المجرمين بدماء أهل السودان الطاهرة ..
وإن ساعة القصاص لآتية ..
كما أنه لابدّ من سنار وإن طال السفر ..
