منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي
آخر الأخبار
البعد_الاخر مصعب بريــر خديعة "من يحكم؟".. وطن يحترق بسؤالٍ خاطئ ..! وبرغم التوقع* *عبد المعز حسين مكابرابي* *النظارات والعموديات في السودان..بين إنتهازية السياسة و ال... ألسنة وأقلام* *يوميات عائد إلى الخرطوم الحلقة السادسة - العودة إلى سنار (٥)* *بابكر إسماعيل* إستراحة الجمعة ******************* *آنِسُوا قُبُورَكُمْ قَبْلَ رَحِيلِكُمْ ================ &#x... إستراحة الجمعة *******************  حين تستيقظ الفلوب ==============.        *د. الشاذلي عبداللطيف* ⭕ من الهامش ✍️ بشرى بشير حكومة سنار.. نجاح العام الدراسي شمعة أضاءت الطري... على بلاطة عبير دفع الله عزالدين اكتوبر الوردي.. حين يتحول اللون الى وعي ابرز ما جاء في خطاب رئيس جبهة تفرلي دبريصون قبرميكائيل :  تيغراي: لم نبدأ الهجوم المضاد بعد  الاما... المشير عمرُ البشير .. عزةُ القائدِ وشرفُ المؤسسةِ العسكرية أكرموا خادم القرآن .. ✍️... إثيوبيا تغلق سفارتها في أسمرا وتطرد 10 دبلوماسيين إريتريين رصد : عمار العركي

البعد_الاخر مصعب بريــر خديعة “من يحكم؟”.. وطن يحترق بسؤالٍ خاطئ ..!

0

البعد_الاخر
مصعب بريــر
خديعة “من يحكم؟”.. وطن يحترق بسؤالٍ خاطئ ..!

 

في شوارعنا وأسواقنا، كل شيء له صوت عالٍ ومسموع. الباعة ينادون على أرزاقهم، محركات الحافلات تزمجر في الزحام، والساسة يخطبون بكلمات رنانة لا تنتهي. لكن وسط كل هذا الضجيج، هناك حقيقة واحدة تمر دائماً في صمت، لا يلتفت إليها أحد إلا بعد فوات الأوان. هل سألت نفسك يوماً لماذا نستهلك أعمارنا في جدل لا يطعم جائعاً ولا يبني جداراً؟

هذا ليس استجراراً لمرارات الماضي، بل هو حديث عما ننزفه اليوم ونحن وقوف. منذ الاستقلال ونحن ندور في نفس الساقية المفرغة: ديمقراطية هشة تقطعها مجنزرات دبابة، ثم حكم عسكري يخنقه الغضب وتقتلعه ثورة، لنعود مرة أخرى إلى المربع صفر. ما يحدث باختصار هو أننا نبحث عن “شكل” للحكم، ونسينا “فعل” الحكم نفسه. وهنا يلتقط الكاتب فتح الرحمن النحاس خيطاً دقيقاً حين يطرح السؤال الصعب: ما الذي يصلح لحكم السودان؟ الإجابة التي يضعها أمامنا ليست انحيازاً أعمى للعسكر، ولا تصفيقاً رومانسياً للمدنيين، بل هي دعوة موجعة للواقعية: لا هذا ولا ذاك، بل تكامل بينهما.

دعونا نفتح هذا الصندوق بهدوء. السبب الظاهر الذي يراه الجميع أن الأنظمة العسكرية تفشل لأنها تحاول إدارة مجتمع متعدد الأعراق والولاءات والأمزجة وكأنه ثكنة. النتيجة الحتمية كانت دائماً أن يضطر العسكر للانفتاح واستقطاب السياسيين لفك العزلة، لكنهم يسقطون في النهاية. وفي المقابل، تأتي الديمقراطيات كبيت من زجاج؛ صراعات حزبية لا تتوقف، وإضرابات تعطل شريان الحياة (بلغت 65 إضراباً في الديمقراطية الثالثة)، وتنمية غائبة تماماً. لكن ما لا يُرى تحت هذا الركام، هو أن هذا التأرجح لم يصنع نظاماً مثالياً، بل صنع مجتمعاً يعتقد واهماً أن الاستبداد هو ثمن الاستقرار، أو أن الفوضى هي ضريبة الحرية. انظر كيف تسللت هذه النتيجة لتخلق لنا مأزق اليوم.

نحن الآن أمام واقع لا يقبل القسمة على النظريات. مجلس سيادي يدير معركة بقاء وحراسة سيادة، وحكومة مدنية مطالبة بإدارة دولة شبه مشلولة. من يظن أن السيادي يمكنه أن يعمل بمعزل عن الحكومة المدنية، أو أن الحكومة يمكنها تسيير دولة دون غطاء سيادي، كمن يحاول الطيران بجناح واحد مكسور. الأمر يشبه تماماً رب الأسرة الذي يقف على باب “الحوش” ليحميه من الخطر، بينما الأم في الداخل تحاول تدبير العشاء بما تيسر. كلاهما يحمل جبلاً على كتفيه، وكلاهما لا غنى له عن الآخر.
طيب، هذا الكلام معناه شنو للمواطن العادي الذي يبحث عن رزق يومه؟ معناه ببساطة أن لقمة العيش، وتعليم الأولاد، وشعوره بالأمان في سريره، أمور لا يهمها من يكسب المعركة السياسية. المواطن يريد أن يرى عجلات الحياة تدور.

مشكلة انقطاع الكهرباء في المنطقة الصناعية ببحري، على سبيل المثال، لم تكن تحتاج إلى بيان سياسي، بل احتاجت إلى زيارة ميدانية وحل مباشر وصارم، وهذا ما فعله البرهان. هذا التدخل ليس انتقاصاً من قدر رئيس الوزراء دكتور كامل، بل هو تكامل أملته الضرورة. التقدير لمن يحملون جمرة المسؤولية اليوم ليس ترفاً أخلاقياً، بل هو طوق نجاة لمركب يغرق.

وهنا، تتجمع كل هذه الخيوط المحتقنة لتشير إلى حقيقة واحدة مُرّة. نحن نتصارع على اسم وشكل النظام الذي سيحكمنا، ونسينا أن الدولة نفسها تتسرب من بين أصابعنا. الانتخابات الحرة لم تنقذنا، والانقلابات لم تبنِ لنا وطناً، والتنظير المستمر لم يطعم جائعاً. الأزمة لم تكن يوماً في نوع النظام، بل في غياب التوافق، وغياب الإرادة الصارمة للتنفيذ.

بعد اخير:

خلاصة القول، الصيغة المثالية للحكم في السودان قد لا تكون ديباجة مكتوبة في دستور، بل هي سلوك. سلوك يعترف بالتكامل لا الإقصاء، يضع الخطط بواقعية، وينفذها بصرامة سيف، ويمنح الاحترام لمن يقف في قلب العاصفة ليقود، بدلاً من إهدار الوقت في تبخيس جهود الآخرين.

أخيرًا، عندما يموت السؤال، لا يبقى شيء يستحق الإجابة. لكن الخطيئة الكبرى التي نرتكبها الآن، هي أننا نستهلك ما تبقى من أعمارنا في البحث عن إجابة مثالية لسؤال خاطئ، بينما الوطن بأسره يحترق في الخلفية.

﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.

ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.

البُعد_الآخر | د. مصعب بريــر

musapbrear@gmail.com

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.