منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

البعد_الاخر د. مصعب بريــر إجازة مدفوعة الجوع ..!

0

البعد_الاخر
د. مصعب بريــر
إجازة مدفوعة الجوع ..!

في حكاوينا القديمة، يُقال دائماً إن أسوأ أنواع الكرم، هو ذلك الذي يُعرض عليك بعد أن تفقد قدرتك على الاستفادة منه؛ كأن يهديك أحدهم حذاءً جديداً، بعد أن تكون قد قطعت رحلة الشوك كلها حافياً.

هذا هو جوهر ما حمله قرار مجلس الوزراء الأخير، حين أعلن منح العاملين بالدولة حق التمتع بإجازات مفتوحة بدون أجر. في ظاهره، يبدو القرار كطوق نجاة، لكنه في الحقيقة ليس سوى تنصل ضمني وانسحاب هادئ من قرار سابق، كان قد وضع سيف الـ 45 يوماً على رقاب الموظفين للعودة إلى أعمالهم. هذا ليس مجرد خبر إداري نمر عليه في نشرة المساء، بل هو تشريح دقيق لما آل إليه حالنا اليوم.

لو فتحنا هذا القرار كصندوق مغلق وبدأنا بطبقاته الأولى، سنجد أن السبب الظاهر للجميع هو واقع الحرب والنزوح. الموظف لم يعد إلى مكتبه ليس تكاسلاً، بل لأن المكتب ربما لم يعد موجوداً، أو لأن الطريق إليه محفوف بالموت. النتيجة المباشرة والبديهية لهذا الواقع، كانت استحالة تنفيذ مهلة التبليغ الصارمة. فالدولة هنا وجدت نفسها أمام خيارين أحلاهما مر: إما أن تفصل آلاف العاملين وتعلن الانهيار الإداري، أو أن تلتف حول قرارها بخيار يبدو أكثر “مرونة”.

لكن ما لا يُرى بوضوح في زحام هذه الأخبار، هو تلك العلاقة الخفية بين انهيار قيمة “الوظيفة الميري” وبين أزمة المواطن البسيط. هذا القرار لم يعالج المشكلة، بل نقل عبء الحل من أكتاف الدولة إلى ظهر الموظف المكسور أصلاً. انظر كيف تحولت المهلة السابقة إلى أداة ضغط، وكيف تسللت هذه النتيجة لتلد واقعاً جديداً يضع الموظف بين نارين: نار العودة المستحيلة إلى مناطق غير آمنة، ونار البقاء في إجازة مفتوحة بلا راتب، في وقت تأكل فيه الإيجارات وأسعار السلع ما تبقى من لحم النازحين.

وليس هذا تحليلاً في الهواء، فالمتابع للتقارير الأخيرة يدرك كيف تحولت الوظيفة العامة إلى عبء طارد لا يلبي الحد الأدنى من متطلبات الحياة. طيب، ماذا يعني هذا الكلام للموظف العادي الذي يجلس الآن في “حوش” إيجار أو مركز إيواء؟ يعني أنه تُرك ليواجه مصيره وحيداً. هذا القرار يضعه أمام أسئلة قاسية: كيف سأدفع رسوم مدارس الأبناء التي أصبحت أغلى من الرزق نفسه؟ وكيف سأوفر سقفاً يأويهم؟ قد يقول قائل إن الحكومة معذورة، فمواردها شحت والحرب استنزفت الخزينة. وهذا منطق لا ننكره. لكن، ألا يتحمل من يقود دفة الدولة مسؤولية إيجاد بدائل حقيقية، بدل رمي الكرة في ملعب مواطن بالكاد يلتقط أنفاسه؟

هذا بالضبط كمن يضعك في قارب مثقوب وسط النهر، ثم يمنحك بابتسامة عريضة “إجازة مفتوحة” من التجديف. المرونة الإجبارية التي تفرضها التعقيدات الميدانية اليوم، تعني أن المؤسسات تشتري وقتها على حساب عمر المواطن.

وهنا، تتجمع كل هذه الخيوط المعقدة، من أزمات النزوح والتعليم إلى لهاث الناس خلف لقمة العيش، لتشير إلى حقيقة واحدة مُرّة: نحن نعيش في لحظة ترفع فيها المؤسسات يدها عن حماية أفرادها، تحت غطاء كثيف من القوانين والقرارات التي تبدو في ظاهرها رحيمة ومشرعة الأبواب.

بعد اخير :

خلاصة القول، نحن لا ننهار لأن الحرب قاسية فحسب، بل لأن اليد التي كنا ننتظر أن تنتشلنا من الركام، امتدت إلينا فقط لتربت على أكتافنا وتتمنى لنا “إجازة سعيدة”.

أخيرًا، وعندما يصبح الخيار الوحيد المتاح للإنسان هو أن يختار الطريقة التي يجوع بها، فإن كل القرارات الرسمية تصبح مجرد أوراق باهتة تتطاير في هواء وطنٍ فقد بوصلته.

﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.

ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.

البُعد_الآخر | د. مصعب بريــر

musapbrear@gmail.com

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.