منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

الخَطَرُ القَادِمُ ================ بقلم ✍️:حسبو علي بخيت

0

الخَطَرُ القَادِمُ
بقلم ✍🏼:حسبو علي بخيت

ليست كلُّ الأخطار تأتي على ظهور الدبابات، ولا كلُّ الحروب تبدأ بأصوات المدافع. فأحيانًا تولد الكارثة في صمتٍ؛ تتسلّل من بين شقوق السياسة، ومن فوضى السلاح، ومن ضيق الاقتصاد، ومن بطونٍ أنهكها الجوع، ثم تكبر حتى تصبح نارًا لا يعرف أحدٌ أين تنتهي ولا إلى أين تمضي.
ولذلك، فإنَّ أخطر ما يمكن أن يفعله السودان اليوم هو أن يطمئنَّ إلى أنَّ صفحة الحرب قد طُويت، بينما أسباب الانفجار ما تزال قائمة، وتعدُّد الجيوش أمرٌ مسكوتٌ عنه من قِبَل الدولة.
لا أقول إنَّ حربًا جديدة ستقع حتمًا، ولا أزعم امتلاك معلومةٍ سرِّيَّة؛ لكنني أقرأ المشهد من خلال مقدِّماته، والمقدِّمات التي تنطوي على مخاطر لا يجوز لعاقلٍ أن يتجاهلها. فالسودان ما زال يعيش تداعيات حربٍ أرهقت الدولة والمجتمع والاقتصاد، فيما تشير تقارير الأمم المتحدة إلى استمرار الاحتياجات الإنسانية الهائلة، واتِّساع رقعة انعدام الأمن الغذائي، واستمرار العنف والنزوح، وتفاقم الضغوط الأمنية.
الخطر ليس في الرصاصة وحدها، بل في البيئة التي تجعل الرصاصة ممكنة.
حين تتعدَّد مراكز القوة والسلاح، وتضعف المؤسَّسات، ويختلط الحابل بالنابل، والسياسي بالعسكري، يصبح الاستقرار هشًّا، مهما بدا المشهد هادئًا. فالدولة الحديثة لا تستقيم بجيشين، ولا بأجهزةٍ متوازية، ولا بمراكز نفوذٍ مسلَّحة خارج منظومةٍ قانونيةٍ واحدة؛ وإنَّما تستقيم حين تكون القوة الشرعية تحت قيادة الدولة، ويكون القانون فوق الجميع.
وهنا ينبغي أن تكون قيادة القوات المسلحة السودانية في أعلى درجات اليقظة والحذر والاستعداد؛ لا انتظارًا للحرب، وإنَّما منعًا لوقوعها، ولا رغبةً في إشعالها، وإنَّما استعدادًا لإطفاء شرارتها قبل أن تتحوَّل إلى حريق.
فالخطر القادم، إن وقع، قد لا يبدأ من جبهةٍ عسكريةٍ واضحة؛ بل قد يبدأ من تعدُّد الجهات التي تحمل السلاح، أو من أزمةٍ غذائية، أو انهيارٍ اقتصادي، أو صراعٍ على الموارد، أو توتُّرٍ اجتماعي، أو احتكاكٍ بين مجموعاتٍ مسلَّحة، أو حادثةٍ صغيرةٍ في سوقٍ أو طريقٍ أو حيٍّ سكني. ثم تتدخَّل العصبيات القبلية، ويتحرَّك السلاح، فتتحوَّل الشرارة إلى نارٍ يصعب إخمادها.
والجوع أخطر من الرصاص حين يتحوَّل إلى وقودٍ للصراع.
لقد حذَّرت تقارير الأمم المتحدة خلال عام 2026 من حجم الأزمة الغذائية والإنسانية في السودان، ومن أنَّ استمرار الحرب يفاقم الفقر والنزوح، ويُسرِّع انهيار الخدمات الأساسية.
ومن هنا، فإنَّ الأمن الوطني لا ينبغي أن يُختزل في حماية الحدود أو تأمين المدن وحدها؛ بل يجب أن يشمل الغذاء والماء والوقود والأسواق والطرق والمرافق الحيوية. فالدولة التي تحمي ثكناتها ولا تحمي شرايين حياة مواطنيها، تترك ثغرةً قد يتسلَّل منها الخطر، وتنمو فيها بذرةُ حربٍ جديدة.
ولستُ من مُرجفي المدينة، ولا ممَّن يزرعون الهلع في نفوس الناس، ولستُ مع تحويل كلِّ إشاعةٍ إلى نبوءة. لكنني، في الوقت نفسه، لستُ مع الذين يدفنون رؤوسهم في الرمال، ويعتبرون كلَّ تحذيرٍ تشاؤمًا، وكلَّ قراءةٍ للمخاطر تخويفًا.
فالحكمة ليست أن نقول: لن تقع الحرب؛ بل الحكمة أن نعمل بحيث لا تقع.
ولهذا، يجب على قيادة الدولة والقوات المسلحة والمؤسَّسات الأمنية أن ترفع مستوى الاستعداد، وأن تراقب كلَّ التحرُّكات المريبة بمنتهى اليقظة والحذر، وأن تمنع انتشار السلاح خارج مؤسَّسات الدولة، وأن تحمي المدن والمرافق الحيوية، وأن تضع سيناريوهاتٍ واضحةً للطوارئ، وأن تجعل حماية المدنيين والدولة السودانية أولويةً لا تقبل التأجيل.
فالجيش القوي ليس هو الذي ينتظر المعركة فحسب؛ بل هو الذي يمنع خصومه من التفكير في إشعالها، ويحمي الدولة دون أن يجعل المواطن وقودًا لها.
والخرطوم تحديدًا لا تحتمل جولةً أخرى؛ فقد دفعت ثمنًا باهظًا، وشاهد أهلها ما يكفي من الموت والخراب والنزوح. وليس من العقل أن نترك الأبواب مفتوحةً أمام أسباب كارثةٍ جديدة، ثم نستيقظ بعد فوات الأوان لنسأل: كيف حدث ذلك؟
هذه ليست نبوءةً بحربٍ قادمة، وإنَّما إنذارٌ من احتمالٍ يجب أن يُؤخذ بجدِّيَّة.
فإن كانت الحرب مستحيلةً، فلن نخسر شيئًا بالاستعداد. وإن كانت ممكنةً، فإنَّ الاستعداد المبكر قد يكون الفارق بين أزمةٍ تُحتوى، وكارثةٍ تبتلع وطنًا بأكمله، بسكَّانه وموارده.
يا قيادة الدولة السودانية: كونوا يقظين قبل أن تدقَّ طبول الخطر، وقبل أن تخرج الأمور عن السيطرة.
ويا أهل السودان، لا تُعمِّروا على الغفلة، ولا تبنوا مستقبلًا على افتراض أنَّ المأساة قد انتهت إلى الأبد؛ فإنَّ خروج طلقةٍ واحدةٍ قد يجعلنا نبحث مجددًا عن أرقام هواتف أصحاب الشقق في القاهرة وكيغالي وكمبالا، ومسقط استعدادًا للنزوح، والبحث عن ملاذٍ آمنٍ بعيدًا عن الوطن.
فالأوطان لا يحميها التفاؤل وحده، ولا الخوف وحده؛ إنَّما يحميها وعيٌ مبكر، ودولةٌ قوية، وسلاحٌ منضبطٌ تحت قيادة القوات المسلحة والمنظومة الأمنية للدولة، واقتصادٌ قادر، وغذاءٌ آمن، ومؤسَّساتٌ تدرك أنَّ الوقاية من الحرب تبدأ بفرض سيادة الدولة، وضبط السلاح، وتوحيد القرار الأمني والعسكري.
فالسودان لا يحتاج إلى حربٍ جديدةٍ كي يثبت أنَّه قادرٌ على الصمود؛ بل يحتاج إلى دولةٍ يقظةٍ تمنع الحرب الجديدة من أن تبدأ.
أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟ اللَّهُمَّ فَاشْهَدْ.
«اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ فَاشْهَدْ!»

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.