السودان ومصر.. الدماء تطلب العدالة والنيل يجمع الأشقاء ✍️د. الشاذلي عبداللطيف
السودان ومصر.. الدماء تطلب العدالة والنيل يجمع الأشقاء
✍️د. الشاذلي عبداللطيف

الدم السوداني ليس رخيصا، وكرامة السودان ليست موضوعا للمساومة أو المجاملة. وحين يفقد مواطنون سودانيون حياتهم في حادث حدودي، فمن حق وطنهم أن يطالب بالحقيقة كاملة، وأن ينتظر تحقيقا نزيها ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته. تلك ليست دعوة إلى التصعيد، بل أبسط واجبات الدولة تجاه أبنائها، وأساس أي علاقة تقوم على الاحترام المتبادل.
وبالقدر نفسه، فإن أرواح المصريين الذين قضوا في حادث الخرطوم لها حرمتها، ولأسرهم حق ثابت في العدالة والإنصاف. فلا يستقيم أن نطلب الحقوق لأنفسنا ثم نستهين بآلام الآخرين. إن المبدأ الذي ينبغي أن يحكم موقفنا واضح: لا حصانة لمن يعتدي، ولا اتهام بلا دليل، ولا مسؤولية جماعية يحملها شعب عن فعل أفراد.
العلاقات السودانية المصرية ليست صفحة عابرة في سجل الدبلوماسية. إنها أسر ممتدة على ضفتي النيل، وذاكرة مشتركة، وجوار صنعته الجغرافيا ورسخته حياة الناس اليومية. غير أن قوة هذه الصلات لا تقاس بكثرة الحديث عن الأخوة، وإنما بالقدرة على مواجهة الأزمات بصدق وشجاعة، دون إخفاء للحقائق أو استدعاء لخصومات لا تخدم أحدا.
ومن هنا، تصبح مسؤولية الحكومتين محددة: كشف ملابسات الحادثين عبر إجراءات قانونية موثوقة، وإطلاع الرأي العام على ما تسمح به التحقيقات، وإنصاف الأسر المتضررة، واتخاذ تدابير عملية تحول دون التكرار. كما ينبغي أن يظل التعاون الأمني والقضائي محكوما بالقانون واحترام سيادة كل دولة، لا بضغوط المنابر أو انفعالات اللحظة.
وعلى المؤسسات المعنية أن تضع سلامة الإنسان في مقدمة الأولويات، لا أن تكتفي ببيانات الأسف. فالأسر التي فقدت أحباءها تحتاج إلى إجابات واضحة، وإجراءات تحفظ الأدلة، ومسارات معلومة للتظلم والتعويض عند ثبوت المسؤولية. وإذا ظهرت ثغرات في حماية الحدود أو أمن الأحياء والأسواق، فإن معالجتها واجب مشترك لا ينتقص من سيادة أحد، بل يمنع تحويل الألم إلى أزمة تتجدد كلما غابت المعالجة الجادة.
والأهم ألا تمتد آثار المأساة إلى السودانيين المقيمين في مصر أو المصريين المقيمين في السودان. هؤلاء جيران وأهل وطلاب وعاملون وأصحاب أسر، وليسوا أطرافا في نزاع. الاعتداء عليهم أو التضييق عليهم لا ينصف ضحية، بل يفتح بابا لضحايا جدد، ويهدم من الثقة ما يحتاج بناؤه إلى سنوات.
وهنا تقع على الإعلام وأصحاب الأقلام مسؤولية لا تقل شأنا: التثبت قبل النشر، ورفض خطاب التحريض، والتمييز بين الجريمة ومرتكبها، وبين الدولة وشعبها. فمن السهل إطلاق عبارة تستثير الغضب، ومن الصعب إصلاح ما تحدثه من شرخ في وجدان الناس.
إن وحدة وادي النيل التي نعتز بها ليست إلغاء لحدود الدولتين أو استقلال قرارهما، بل رابطة إنسانية وتاريخية تعيش وتزدهر حين تقوم على الندية والكرامة والعدل. فالسودان لا يحتاج إلى خصومة مع مصر كي يثبت سيادته، ومصر لا تخسر مكانتها حين تنصف حقوق السودانيين.
نريد للضحايا عدالة لا شعارات، وللشعبين أمانا لا تحريضا، وللعلاقة بين البلدين صراحة تحفظها من الانكسار.
فليكن القانون صوت الحق، والحكمة حارسة الجوار، وليظل النيل جسرا يجمع الأشقاء، لا خندقا يفصل بينهم.
