*إِذَا وُكِّلَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ* *================* *✍️كتب/ حسن البصير*
إِذَا وُكِّلَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ
================
✍️كتب/ حسن البصير

▪️تُروى الحكاية أن فيلا هرب من الغابة، وعندما سُئل عن سبب فراره، قال: «إن الأسد أمر بقتل كل الزرافات!». فقيل له: «ولكنك فيل ولست زرافة!»، فرد بمرارة: «نعم، ولكن الأسد وكّل بالأمر حمارا!».
▪️ تلخص هذه الأسطورة مأساة الأمم حين تسند أمورها إلى غير أهلها، وهي الحكاية التي نعيش فصولها في السودان اليوم.
لقد غابت الكفاءة عن مفاصل الدولة، وتوارى الضمير المهني خلف المصالح الضيقة، وانزوت الوطنية الصادقة لتحل محلها ممارسات أضعفت مؤسسات الدولة وأهدرت مواردها. أصبح توزيع المناصب على أساس الولاء لا الكفاءة نهجا أضر بالخدمة المدنية، وأدى إلى تراجع الأداء، وتفشي الفساد المالي والإداري، وغياب المساءلة والمحاسبة. وانعكس هذا التردي على الخدمات الأساسية والبنية التحتية.
▪️إزدادت معاناة المواطن الذي بات يدفع ثمن الإخفاق الإداري من أمنه ومعيشته وكرامته.
وجاءت الحرب لتكشف مواطن الخلل بصورة أكثر قسوة، فلم تقتصر مآسيها على القتل والدمار والنزوح واللجوء، بل أفرزت أيضا سماسرة للحروب وتجار أزمات، وجدوا في معاناة الناس فرصة لتضخيم ثرواتهم. وبينما يفترش النازحون الأرض، ويكابد المهاجرون مشقة الغربة، وتعجز الأسر عن توفير أبسط مقومات الحياة، هناك من يراكمون الأموال ويضاعفون أرصدتهم البنكية من وراء احتياجات الغلابة وآلام المنكوبين. إنها مفارقة موجعة تكشف كيف تتحول المآسي الوطنية، في غياب الرقابة والضمير، إلى أبواب للثراء غير المشروع. ولا بد من إخضاع مصادر الثروات المشبوهة للتحقيق، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في استغلال الحرب أو التلاعب بالمساعدات والسلع الضرورية.
▪️إن المسؤولية اليوم تقع في المقام الأول على قمة القيادة، التي ينبغي أن تنتقل من إدارة الأزمات بالشعارات إلى إصلاح الدولة بالفعل. ويبدأ ذلك بمراجعة شاملة لأداء المؤسسات والوزارات والحكومات المحلية، وتقييم المسؤولين وفق معايير واضحة تقيس الإنجاز والنزاهة والقدرة على تحمل المسؤولية. كما يتطلب إبعاد كل من ثبت تقصيره أو عجزه عن أداء واجبه، دون محاباة أو استثناء، وإحلال أصحاب الكفاءة والخبرة محله، بعيدا عن الولاءات الضيقة والمصالح الشخصية.
▪️ولا يكتمل الإصلاح بمجرد تغيير الوجوه، بل يستلزم تفعيل أجهزة الرقابة والمحاسبة، وتعزيز استقلال القضاء، ومراجعة أوجه الصرف العام، ومكافحة الفساد وإدارة الموارد بطريقة علمية وإعادة بناء الخدمة المدنية و لا يصلح حال الدولة إلا إذا وكل الأمر إلي أهله.
