منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي
آخر الأخبار

*نداء الأزهر في زمن الفتنة .. الحوار أقل كلفة من الحرب .. ووحدة الأمة فريضة اسلامية واستراتيجية* *✍️ السفير/ رشاد فراج الطيب السراج*

0

نداء الأزهر في زمن الفتنة .. الحوار أقل كلفة من الحرب .. ووحدة الأمة فريضة اسلامية واستراتيجية
✍️ السفير/ رشاد فراج الطيب السراج

في لحظة إقليمية ودولية بالغة الخطورة ، تتكاثر فيها بؤر الصراع ، وتتداخل حسابات النفوذ مع مشروعات إعادة تشكيل المنطقة ، جاء نداء شيخ الأزهر الشريف فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب في بيانه الصادر يوم الأحد الموافق ١٨ اكتوبر ٢٠٢٦م ، والداعي إلى تغليب لغة العقل والحوار ، ووقف الحروب ، وتشكيل لجنة وساطة عاجلة من حكماء الدول العربية والإسلامية ؛ ليضع الأمة أمام استحقاق أخلاقي واستراتيجي لا يحتمل التأجيل .
إنها دعوة شجاعة ومسؤولة ، تنطلق من إدراك عميق لحقيقة أن الاقتتال بين أبناء الأمة الواحدة لا يستنزف الدماء والثروات فحسب ، بل يبدد قدرتها على حماية أمنها القومي ، والدفاع عن قضاياها العادلة ، وصيانة استقلال قرارها .
وقد أصاب شيخ الأزهر جوهر الأزمة حين دعا إلى الإصلاح بين المتخاصمين ، مستلهماً قوله تعالى : ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ .
أولاً : صراعات الداخل تخدم أهداف الخارج
تواجه المنطقة العربية والإسلامية تحديات متشابكة ، من العدوان الإسرائيلي على غزة والضفة ولبنان ، إلى الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا ، والتصعيد الذي طال اليمن ، والعدوان علي السودان ، فضلاً عن التدخلات الأمريكية والإسرائيلية الرامية الي السيطرة علي الدول المسلمة عبر سياسة فرض التطبيع والهيمنة ، وما تتركه من آثار على أمن المنطقة واستقرارها .
وفي الوقت الذي تتعرض فيه الشعوب للقتل والتشريد والتدمير ، تتسع دائرة الخلافات والصراعات البينية ، وتتراجع الأولويات المتعلقة بالتنمية وإعادة الإعمار وحماية السيادة .
إن الخطر الأكبر لا يكمن في العدوان الخارجي وحده ، بل في تزامنه مع الانقسام الداخلي ، حين تتحول الخلافات السياسية إلى حروب ، والتباينات المذهبية إلى عداوات وجودية ، والتنافس على النفوذ إلى استنزاف متبادل بين دول وشعوب تجمعها روابط الدين والتاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة .
وهنا ينبغي أن نقرأ المشهد بوعي استراتيجي : كلما انشغل المسلمون باستنزاف بعضهم بعضاً ، ازدادت قدرة خصومهم على فرض الوقائع ، وتوسيع دوائر نفوذهم ، والتحكم في اتجاهات الصراع ومآلاته .
إن المشروع الصهيوني اليميني في إسرائيل وأمريكا ، الذي يسعى إلى تكريس التفوق الإسرائيلي وإعادة تشكيل البيئة الإقليمية بما يخدم مصالحه ، يجد في انقسام العالم الإسلامي وتشتت مواقفه فرصة لتوسيع هامش حركته وعدوانه .
ومن ثم ، فإن تحويل الخلافات إلى اقتتال بين السنة والشيعة ، أو بين الدول المتنافسة على المصالح والنفوذ ، يفضي إلى نتائج تخدم أهداف إضعاف الأمة ، بصرف النظر عن الشعارات التي تُرفع لتبرير تلك الصراعات .
ولا يعني ذلك أن كل نزاع هو مؤامرة خارجية ، أو أن مسؤوليات الأطراف المحلية يمكن تجاهلها ؛ بل يعني أن الحكمة تقتضي إدراك من يستفيد من استمرار الانقسام ، ومن يدفع ثمنه ، ومن يجد في انشغال المسلمين بحروبهم فرصة لتصفية حساباته ومشروعاته على حسابهم .
ثانياً : الحوار أقل كلفة من الحرب
الحوار ليس ضعفاً ، والوساطة ليست تنازلاً عن السيادة ، والتفاوض لا يعني التسليم بمواقف الخصم .
إنها أدوات سياسية تحمي المصالح ، وتمنح الأطراف فرصة لمعالجة الخلافات قبل أن تتحول إلى مواجهات مفتوحة يصعب احتواؤها .
أما الحرب ، فلا تُقاس تكلفتها بعدد الصواريخ والجنود وحدهم ، بل بما تخلفه من ضحايا ودمار ونزوح ، وما تبدده من ثروات وفرص تنموية ، وما تزرعه من أحقاد قد تستمر أجيالاً .
وقد يخرج أحد الأطراف بمكسب عسكري محدود ، لكنه يجد نفسه أمام خسائر استراتيجية أكبر ، واقتصاد منهك ، ومجتمع مثقل بالجراح ، وقرار وطني أكثر تعرضاً للضغوط الخارجية .
وليس المقصود أن الحوار يضمن النجاح دائماً ، أو أن حق الدفاع عن النفس يمكن التفريط فيه ، وإنما أن استخدام القوة يجب ألا يصبح بديلاً سهلاً عن السياسة ، وأن تُستنفد فرص التسوية الجادة قبل الانزلاق إلى حروب لا يعرف أحد مداها أو نهايتها .
ومن هنا تبرز أهمية دعوة شيخ الأزهر إلى تشكيل لجنة وساطة عربية وإسلامية من حكماء الأمة تتولى احتواء الأزمات ، وتقريب وجهات النظر ، وفتح قنوات الاتصال ، وصياغة تفاهمات تحفظ الحقوق والسيادة وتمنع تجدد النزاعات .
إنها مبادرة تستحق أن تتحول إلى آلية عملية ، لا أن تبقى مجرد نداء أخلاقي تتناقله وسائل الإعلام .
ثالثاً : لا تقعوا في شراك التحالفات التي تستنزف الأمة
إن أخطر ما يمكن أن تقع فيه الدول العربية والإسلامية هو أن تستعين بخصوم الأمة لتصفية خلافاتها الداخلية ، أو تنخرط في تحالفات تجعلها أدوات في صراعات لا تخدم مصالح شعوبها ، ولا تتفق بالضرورة مع أولوياتها الاستراتيجية .
ليس المطلوب عزل الدول عن العالم ، أو إنكار حقها في بناء علاقات دولية متوازنة ، بل المطلوب ألا يتحول طلب الحماية إلى ارتهان ، وألا يصبح التنافس الإقليمي مدخلاً للتبعية ، وألا تُستخدم الخلافات بين المسلمين جسراً لتوسيع النفوذ الخارجي والسيطرة على القرار والثروات والمقدرات .
إن التحالف الذي يدفع المسلمين إلى الاقتتال فيما بينهم ، بينما يترك العدوان على مقدساتهم وأراضيهم وقضاياهم العادلة دون موقف جماعي فاعل ، يستوجب مراجعة استراتيجية جادة . فالأولى أن تُحل الخلافات داخل البيت العربي والإسلامي بالحوار والوساطة الحميدة ، لا باستدعاء قوى خارجية قد تتباين أهدافها مع مصالح المنطقة وشعوبها .
رابعاً : فلسطين والقدس والأقصى في قلب المعادلة
إن استمرار العدوان على غزة ولبنان ، والانتهاكات الإسرائيلية في سوريا ، والتصعيد والتدخلات في الصراع اليمني اليمني ، لا يجوز أن يدفع الأمة إلى تجاهل القضية المركزية : فلسطين ، والقدس ، والمسجد الأقصى .
إن من أهداف السياسات الإسرائيلية والصهيونية الرامية إلى تكريس التفوق وإعادة تشكيل المنطقة إضعاف قدرة الأطراف العربية والإسلامية على التنسيق ، وتفكيك أي موقف مشترك يمكن أن يحد من حرية الحركة العدوانية الصهيونية .
وحين تُستنزف الدول في صراعاتها البينية ، تتراجع قدرتها على نصرة الشعب الفلسطيني ، ومواجهة محاولات فرض الوقائع على الأرض ، والتصدي لمشروعات التهجير وتصفية الحقوق الوطنية الفلسطينية .
ومن ثم ، فإن وحدة الموقف لا تعني تطابق السياسات أو إلغاء الاختلافات ، بل الاتفاق على الحد الأدنى من المصالح والحقوق المشتركة ، وفي مقدمتها حماية المدنيين ، ورفض العدوان ، وصون سيادة الدول ، ودعم حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره ، والحفاظ على مكانة القدس والمسجد الأقصى .
خامساً : نداء إلى الحكام والعلماء قبل فوات الأوان
إن نداء شيخ الأزهر يستحق أن يصغي إليه الحكام والعلماء معاً .
فالحكام مطالبون بتغليب الحسابات الاستراتيجية بعيدة المدى على انفعالات اللحظة ، والعلماء مطالبون بإطفاء نيران العصبية والتحريض ، وتذكير الأمة بحرمة الدماء ووجوب الإصلاح .
وعلى الدول العربية والإسلامية دعم مبادرة الوساطة عبر تفعيل مؤسسات العمل العربي والاسلامي المشترك ، والعمل على وقف التصعيد ، وتسوية الخلافات ، وبناء آليات دائمة للحوار تمنع تحول الأزمات السياسية إلى حروب .
فالأمن لا يتحقق بإضعاف الجار ، والسيادة لا تُصان بالارتهان للخارج ، والانتصار الحقيقي ليس في إخضاع الأشقاء ، بل في حماية مصالح الشعوب وصيانة مستقبلها .
خاتمة
لقد وضع شيخ الأزهر يده على جرح الأمة ، ودعا إلى موقف يجمع بين الواجب الديني والحكمة السياسية والمسؤولية التاريخية .
وهي دعوة ينبغي ألا تضيع وسط ضجيج الحروب وحسابات النفوذ القطرية الضيقة .
إن الأمة التي تعجز عن تسوية خلافاتها بالحوار تمنح الآخرين فرصة إدارة صراعاتها ، وتدفع من دماء أبنائها وثرواتها ثمن انقسامها .
وإذا كان المشروع الصهيوني يستفيد من تفكك المنطقة واستنزاف قواها وتراجع قدرتها على الدفاع عن فلسطين والقدس والأقصى ، فإن أولى خطوات مواجهته هي حرمانه من هذه الفرصة ، بإطفاء نيران الفتنة ، وصون وحدة الصف ، واستعادة استقلال القرار .
فليسمع الحكام والعلماء نداء الأزهر قبل فوات الأوان ؛ فالحوار أقل كلفة من الحرب ، والتفاهم بين الأشقاء أعز من الاستقواء بالخصوم والتماهي مع أهداف الأعداء المكشوفة والخبيثة ، ووحدة الأمة ليست ترفاً سياسياً ، بل ضرورة لحماية وجودها ومقدراتها وقضاياها العادلة ، بل هي فريضة اسلامية واستراتيجية في وقت واحد .

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.