البعد_الاخر د. مصعب بريــر فضاء بلا بوابة.. من يحرس صوت السودانيين؟
البعد_الاخر
د. مصعب بريــر
فضاء بلا بوابة.. من يحرس صوت السودانيين؟
في الحوش، لما واحد يرفع صوته زيادة، الناس عادة تسكت. لكن مافي زول يسأل: هو ليه رفع صوته؟ كأن الصمت هو الحالة الطبيعية، والضجيج هو الطارئ الوحيد الذي يستحق الالتفات. لماذا ننتبه دائماً بعد أن يصبح الكلام قديماً، وتتحول الكلمات التي تونسنا إلى أعباء تثقل كاهل البيوت؟ نحن قوم نشهد العاصفة منذ أن تكون غيمة صغيرة في أفق الذاكرة، ثم نتفاجأ بالمطر حين يبلع العتبات.
قرار رئيس مجلس الوزراء الدكتور كامل إدريس بتشكيل “الآلية الوطنية لمكافحة جرائم المعلوماتية” برئاسة مساعد النائب العام وعضوية الجهات ذات الصلة، ليس مجرد ورقة إدارية وُضعت على مكتب عابر. هو إعلان هادئ بأن الدولة قررت أن تضع يدها على مساحة كانت حتى الأمس القريب بلا بوابة ولا حارس. السودان اليوم يعيش انفجاراً في المحتوى الرقمي لا طاقة للقلوب به؛ بين أخبار الحرب التي تقبض الأنفاس، وخطاب الكراهية الذي يمزق ما تبقى من نسيج الحارات، والنشر الضار والشتائم اليومية التي تملأ الشاشات. هذا ليس حديثاً نظرياً، بل هو ما يدور في هواتفنا كل دقيقة، وما يقرأه أبنائنا وبناتنا قبل النوم، وما يجعل الغربة مقبضة والداخل معلقاً على خيط من القلق.
الجميع يرى أن الإنترنت أصبح ساحة مفتوحة، والكل يكتب ما يشاء، وطبيعي أن تتحرك الدولة، فالأمن المجتمعي ليس ترفاً ولا هبة زائدة في زمن الحرب والشتات. لكن العلاقات الخفية بين الرغبة في الحماية وبين حدود الحرية هي مربط الفرس. حين منح القرار هذه الآلية صلاحية قيد الدعاوى القضائية ورصد ما يُنشر عبر الوسائط ومنصات التواصل، فهو لم يمنحها سلطة إدارية لتنظيم المرور فحسب، بل منحها مفتاح باب المحكمة. والسؤال الذي يفرض نفسه بمرارة: من يفتح هذا الباب، ولمن يُغلق؟ ومن يحدد بدقة متناهية ما هو “النشر الضار”؟ ومن يرسم خط الفصل الرفيع بين النقد المشروع الذي ينقذ الوطن، وبين أمن الدولة الذي يُتخذ أحياناً ترسًا لحجب الحقيقة؟ طيب، هذا معناه شنو للراجل البجلس في القهوة يشرب شاي الصباح ويكتب تعليقاً عفوياً غاضباً على غلاء المعيشة؟ ومعناه شنو للطالبة البتنشر رأيها في تويتر عن حال التعليم والخدمات؟ هل سيتحول كل حرف نكتبه إلى تهمة محتملة؟
التجارب حول العالم تحكي لنا أن النوايا وحدها لا تكفي لصناعة الطمأنينة. فعين التاريخ تسجل أن سنغافورة، حين أنشأت قانوناً صارماً للتضليل الإلكتروني، واجهت انتقادات حادة لأن التعريفات الواسعة منحت الحكومة سلطة تفسيرية هائلة جعلت الناس يتهامسون خوفاً من الظل. وفي المقابل، نجد أن كوريا الجنوبية، رغم امتلاكها أعتى آليات حجب المحتوى وضبط الفضاء الرقمي، تضع نصب عينيها ألا تنتهك الحرية الأساسية للمواطن، وتعتمد على شفافية مطلقة في المراجعة كضمانة وحيدة لكي لا تبتلع الدولة مجتمعها. أما في تجربة مصر، فإن إنشاء مجلس أعلى للأمن السيبراني جاء مبنياً على إطار تشريعي دقيق يوزع الصلاحيات بين مؤسسات متعددة لا أن يجمعها في يد واحدة. هذه الأمثلة ليست للتقليد الأعمى، بل لتقول لنا إن الطريق الصحيح للسلامة يبدأ بتعريفات ضيقة ومحددة، ورقابة قضائية صارمة، وشفافية كاملة في المساءلة، لا بفتح الباب على مصراعيه لكل تأويل.
بعد اخير :
خلاصة القول، هذا القرار يبدو تقنياً وإدارياً في ظاهره، لكنه يمسّ أعمق ما يملكه الإنسان السوداني البسيط وسط حرائق الأيام، يمسّ صوته وكرامته وحقّه في أن يقول رأيه بلا خوف من طرقة على الباب في منتصف الليل.
أخيرًا، الآلية التي تُنشأ أصلاً لحماية المجتمع وصيانة أمنه، إن لم تُحطّ بسياج صلب من الشفافية والرقابة القضائية المستقلة، ستتحول بغفلة من الزمن إلى أول من يخنق صوته. والضوء الحقيقي في آخر هذا النفق المظلم لن يكون قطاراً يدهسنا، إذا ما قررنا نحن بأنفسنا أن نراقب من يراقبنا، وأن نحرس حوشنا الرقمي بأعين لا تنام وقلوب لا تخاف الحق.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.
ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
البُعد_الآخر |د. مصعب بريــر
musapbrear@gmail.com
