*إلى وزير المالية.. توقّفوا عن خنق الشعب باسم الاقتصاد!* *الدولار الجمركي يشعل نيران الأسعار.. من يحمي السودانيين من قرارات وزارة المالية؟* *بقلم ✍️:حسبو علي بخيت*
إلى وزير المالية.. توقّفوا عن خنق الشعب باسم الاقتصاد!
الدولار الجمركي يشعل نيران الأسعار.. من يحمي السودانيين من قرارات وزارة المالية؟
بقلم ✍🏼:حسبو علي بخيت

السيد جبريل إبراهيم.. إلى متى تظل جيوب السودانيين ولقمة عيشهم حقل تجارب لسياساتكم المالية المرتبكة؟!
إن ما يجري في وزارة المالية ليس أمراً عابراً يمكن تجاوزه بالصمت أو تبريره بعبارات فضفاضة عن الإصلاح الاقتصادي؛ بل هو جرس إنذار خطير ينذر بمزيد من الانهيار، ويضع ملايين السودانيين أمام مواجهة قاسية مع الجوع والفقر والعجز عن توفير أبسط مقومات الحياة.
إن الزيادة المفاجئة في الدولار الجمركي، وفق الأرقام المتداولة، ليست مجرد تعديل في سعر الصرف الجمركي، وإنما قرار تتجاوز آثاره حدود المكاتب الحكومية لتصل إلى موائد الفقراء، وأسواق المواطنين، واحتياجات الأطفال، ودواء المرضى. فحين ترتفع تكلفة الاستيراد، تتجه الضغوط نحو الأسعار، ويجد المواطن نفسه مرة أخرى في مواجهة موجة غلاء لا يملك أدوات مقاومتها.
السيد جبريل إبراهيم، من الذي منحكم الحق في تحميل المواطن فاتورة الإخفاق الاقتصادي؟!
لقد أنهكت الحرب السودانيين، ومزقت مصادر رزقهم، ودفعت ملايين الأسر إلى النزوح والتشرد، وأصبح المواطن يكافح يومياً من أجل الحصول على الغذاء والدواء والإيواء. وفي ظل هذه الظروف الاستثنائية، كان المنتظر من وزارة المالية أن تتعامل مع حياة الناس باعتبارها أولوية وطنية قصوى، وأن تزن كل قرار بميزان أثره على الفقراء ومحدودي الدخل، لا أن تفاجئ الأسواق بإجراءات قد تشعل موجات جديدة من الغلاء.
إن المسؤولية الوطنية تقتضي ألا تتحول السياسات المالية إلى أعباء إضافية على شعب أنهكته الحرب، وألا يصبح المواطن الحلقة الأضعف التي تُحمَّل وحدها تبعات القرارات الحكومية. فالدولة التي تعجز عن حماية الحد الأدنى من قدرة مواطنيها على العيش، مطالبة بمراجعة سياساتها قبل أن تتسع دائرة الفقر إلى مستويات يصعب احتواؤها.
أولاً: الدولار الجمركي ليس رقماً على الورق.. بل نارٌ في الأسواق
إن أي زيادة في التكلفة الجمركية للسلع المستوردة يمكن أن تنعكس على أسعارها، وقد تمتد آثارها إلى سلع أخرى ترتبط بها في سلاسل الإنتاج والتوزيع والنقل. وفي اقتصاد يعاني أصلاً من اختلالات الحرب وضعف الإنتاج وتراجع الدخل وإيرادات الدولة، تصبح القرارات غير المدروسة وقوداً إضافياً للتضخم.
والأخطر أن المواطن السوداني لا يملك ترف الانتظار حتى تظهر نتائج السياسات الحكومية؛ فهو يحتاج إلى الطعام اليوم، والدواء اليوم، ومستلزمات أطفاله اليوم. فكيف يُطلب منه تحمّل أعباء جديدة بينما تتآكل قدرته الشرائية، وتضيق أمامه سبل العيش الكريم؟
إن الإصلاح الاقتصادي الحقيقي لا يُقاس بحجم الإيرادات التي تدخل خزينة الدولة وحدها، بل بقدرته على حماية المجتمع، وتحريك عجلة الإنتاج، وتحقيق الاستقرار، ومنع اتساع رقعة الفقر والجوع.
ثانياً: أين الدراسات؟ وأين الشفافية؟
إذا كانت زيادة الدولار الجمركي تستند إلى ضرورة اقتصادية، فمن حق الشعب أن يعرف أسبابها، وأسس احتسابها، والسلع التي ستشملها، والآثار المتوقعة على الأسعار والإيرادات والقوة الشرائية.
وإذا كانت هناك بدائل أقل ضرراً، فلماذا لا تُدرس قبل اتخاذ قرارات تمس حياة الملايين؟ ولماذا لا تُراجع الإعفاءات غير الضرورية، وتُحارب التجاوزات والتهريب، وتُعزَّز كفاءة التحصيل، وتُوجَّه الموارد المتاحة نحو دعم الإنتاج المحلي؟
إن الإدارة المالية الرشيدة لا تقوم على القرارات المفاجئة، بل على الدراسات والشفافية والتدرج ومراعاة الأوضاع الاجتماعية. أما ترك المواطن يواجه نتائج القرارات دون تفسير واضح أو إجراءات حماية، فإنه يضعف الثقة في مؤسسات الدولة ويعمق الشعور بالظلم.
ثالثاً: يا وزير المالية.. لا تختبروا صبر شعبٍ أنهكته الحرب!
نقولها بوضوح لا يحتمل التأويل: لا يجوز أن يصبح تجويع المواطن نتيجة متوقعة لسياسات مالية لا تراعي واقع البلاد، ولا أن يُطلب من السودانيين دفع ثمن إخفاقات لم يكونوا شركاء في صنعها.
لسنا بحاجة إلى اتهامات جزافية أو أحكام مسبقة على النيات؛ فالمعيار الحقيقي هو النتائج. وإذا كانت القرارات المالية تزيد معاناة المواطنين، وتضغط على أسعار الغذاء والدواء، وتهدد ما تبقى من قدرة الأسر على الصمود، فإن واجب المسؤول الأول هو المراجعة العاجلة والمساءلة الصريحة، لا المكابرة والدفاع عن القرارات لمجرد أنها صدرت من وزارته.
إن السودان لا يحتمل مزيداً من استنزاف المواطن وتجويعه، ولا يحتمل سياسات تتجاهل أن الاقتصاد ليس أرقاماً جامدة، وإنما حياة بشر وكرامة أسر ومستقبل أجيال. فحين تنهار القدرة على شراء الغذاء، وتتراجع فرص العلاج والتعليم، لا يعود الحديث عن المؤشرات المالية كافياً لتبرير المسار المتبع.
رابعاً: إن المسؤولية لا تسقط بالتبرير
إن استمرار النهج المالي الذي يفاقم معاناة الناس، دون اتخاذ تدابير تصحيحية، يستوجب مراجعة أداء وزارة المالية ومحاسبة المسؤولين عن قراراتها. وإذا عجز الوزير عن تقديم سياسة واضحة تحمي المواطنين وتوازن بين احتياجات الخزينة وحقوق المجتمع، فإن المطالبة بإقالته تصبح موقفاً وطنياً مشروعاً تفرضه المسؤولية العامة وأمانة التكليف.
إن الشعب السوداني يطالب بالآتي:
المراجعة العاجلة لزيادة الدولار الجمركي ونشر الأسس الفنية والاقتصادية التي استند إليها القرار.
إعلان السلع التي تشملها الزيادة، وتوضيح أثرها المتوقع على أسعار الغذاء والاحتياجات الأساسية.
وضع تدابير عاجلة لحماية الفقراء ومحدودي الدخل من موجات الغلاء، ومنع استغلال القرار لفرض زيادات غير مبررة.
تبنّي سياسة مالية شفافة تعطي الأولوية للإنتاج المحلي، ومكافحة التهريب والفساد، وترشيد الإنفاق الحكومي.
إخضاع أداء وزارة المالية، والنظر في إقالة الوزير إذا ثبت عجزه عن تصحيح المسار وحماية مصالح المواطنين. فليذهب غير مأسوف عليه، وحواء السودانية أنجبت رجالاً ملء السمع والبصر في إدارة الاقتصاد.
نقول للدكتور جبريل إبراهيم، إن كرسي الوزارة ليس امتيازاً شخصياً، بل أمانة ومسؤولية أمام شعبٍ ينزف تحت وطأة الحرب والفقر والجوع.
فلا تجعلوا قراراتكم سبباً في دفع المواطن إلى حافة العجز الكامل عن الحياة، ولا تختزلوا الإصلاح الاقتصادي في زيادة الجبايات ورفع الأعباء. إن الدولة التي تبحث عن إيراداتها في جيوب الفقراء، دون أن تفتح أبواب الإنتاج وتكافح إهدار المال العام وتراجع أولوياتها، إنما تعالج أزمتها على حساب مستقبلها.
إن السودان يقف أمام مخاطر تتجاوز ارتفاع الأسعار؛ مخاطر انهيار القدرة الشرائية، واتساع رقعة الفقر، وتآكل الثقة في مؤسسات الدولة، وتفاقم الأزمات الاجتماعية في بلد أنهكته الحرب بالفعل.
ارحموا شعباً لم يعد يحتمل صدمة جديدة! راجعوا قراراتكم قبل أن تتحول الأعباء الاقتصادية إلى كارثة اجتماعية يصعب احتواؤها!
فالتاريخ لا يحاسب المسؤولين على ما أعلنوه من نيات، بل على ما خلّفته سياساتهم من نتائج. والسودانيون لا يريدون وعوداً جديدة، بل يريدون خبزاً يستطيعون شراءه، ودواءً يستطيعون الحصول عليه، ودولةً تحمي حقهم في الحياة الكريمة.
إما سياسة مالية مسؤولة تضع المواطن في مقدمة أولوياتها، وإما مساءلة سياسية واضحة عن مسار يقود البلاد إلى مزيد من الفقر والانهيار.
فالشعب السوداني ليس خزينةً مفتوحة لسد عجز الحكومة، وليس حقل تجارب لقرارات وزارة المالية!
