منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

*ام كعوك و عدس الفراشة* *================= *✍️ كتب/ حسن البصير*

0

ام كعوك و عدس الفراشة
=================
✍️ كتب/ حسن البصير

▪️تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي خبراً عن دخول كميات من العدس المستورد إلى الأسواق السودانية، قيل إنها غير صالحة للاستهلاك. وظهر أحد المواطنين في تسجيل صوتي يروي مأساته مع العدس الأحمر، مؤكداً أنه ما إن تناوله حتى أصيب بدوار ومغص وإسهال حاد، مطالباً بسحب الكميات المشبوهة حفاظاً على صحة المواطن السوداني المغلوب على أمره. ولم يستبعد صاحب التسجيل أن يكون العدس جزءاً من مخطط الاستهداف الممنهج للشعب السوداني، وكأننا لم نعد نكتفي بالحروب والغلاء والنزوح، حتى جاء الدور على العدس ليدخل قائمة المتآمرين!.
▪️وبمجرد انتشار الخبر، تراجع الإقبال على شراء هذه السلعة التي أصبحت ضيفاً دائماً على الموائد السودانية، لا سيما في زمن الحرب وارتفاع الأسعار. فالعدس وجبة اقتصادية، سريعة التحضير، غنية بالبروتين، ولا تحتاج إلى كثير من الإضافات. يكفي أن تضعه على النار، ثم تتركه يتولى بقية المهمة، بينما تتولى أنت التفكير في هموم الحياة.
▪️ولا أستبعد أن تكون وراء الشائعة دوافع تجارية، كأن يكون أحد المستوردين قد عجز عن تصريف بضاعته، فكسدت في المخازن، ولم يجد وسيلة لإنعاش السوق سوى إطلاق إنذار صحي يجعل الناس يفرون من العدس فرارهم من جبهة القتال! وهذه مجرد فرضية، لكنها تصلح لأن تكون فصلاً في كتاب الاقتصاد السوداني الذي لا تنقصه العجائب.
▪️والحقيقة أن العدس كان خلال سنوات الحرب جندياً مجهولاً في معركة البقاء، ساند الأسر حين عزّ اللحم وغابت أصناف كثيرة عن الموائد. حتى إن بعض عشاقه يرون أنه يستحق إضافة لونه إلى ألوان العلم السوداني، فهو اللون الذهبي الذي وحّد الفقير والغني، والوزير والغفير، ولم يفرّق بين صاحب القصر وساكن العشوائيات. إنها وحدة وطنية لم تنجح في تحقيقها السياسة، ونجح فيها طبق عدس!
▪️وبما أنني من أكثر السودانيين المواظبين على تناول العدس في البيت ومكان العمل، فقد قررت، بعد طول عشرة، إعلان هدنة من طرف واحد لمدة شهر كامل، ومنع دخول أي حبة عدس إلى المنزل، مراعاة لمعدتي التي بدأت ترفع الشكاوى وتطالب بحقوقها الدستورية. و بالفعل مر الأسبوع الأول بسلام، وبدأت أشعر بأن القولون العصب استعاد عافيته. لكن، في يوم الجمعة، وبينما كنت أستعد لتناول الفطور، فوجئت بالعدس يتربع في صينية الطعام، يلمع أمامي في استفزاز واضح، وكأنه يقول: قراراتك السيادية لا تعنيني!
سألت غاضباً: من الذي خرق الهدنة؟ فجاء الرد بكل براءة: نحن حظرنا العدس المصري فقط، أما عدس الفراشة فهو عدس وطني، ومستثنى من العقوبات! عندها أدركت أنني لم أكن أمام طبق عدس، بل أمام مراوغ بارع يعرف كيف يلتف على القرارات، ويستغل الثغرات، ويعود إلى المائدة من أوسع أبوابها.
وهكذا انتهت الهدنة ،، وانتصر عدس الفراشة، بينما بقيت معدتي وحدها تدفع فاتورة الاتفاق وكأنها لم تكن طرفاً أصيلاً في المفاوضات!
▪️وبمناسبة الهدنة الانسانية التي أقرتها الحكومة السودانية، يحق لنا أن نتساءل: إذا كان عدس الفراشة قد استطاع العودة إلى مائدتنا رغم قرارات الحظر، فهل سيعود الجنجويد هم أيضاً بعد الهدنة متسللين عبر الشباك بعد البل و الاشتباك ؟

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.