منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

البُعد_الآخر | د. مصعب بريــر مراكز التعليم العالي بالخارج.. بين صحوة التدارك وثمن القرارات المتأخرة

0

البُعد_الآخر | د. مصعب بريــر
مراكز التعليم العالي بالخارج.. بين صحوة التدارك وثمن القرارات المتأخرة

حين صدر القرار الصارم بإيقاف مراكز الجامعات السودانية في الخارج وفرض العودة الفورية لداخل البلاد، بدا الأمر في نظرة إدارية بحتة محاولة لاستعادة هيبة الدولة ومؤسساتها بعد سنوات الشتات. لكن الواقع لم يكن ينتظر النصوص النظرية؛ فقد وجد آلاف الطلاب وأسرهم أمام خيارات قاسية ومكلفة، اضطر معها كثيرون لبيع ما تبقى من أصول أو الاستدانة للوفاء بمواعيد لم تكن البيئة المحلية مهيأة لاستقبالهم فيها. واليوم، يأتي توجيه رئيس الوزراء كامل إدريس بالسماح لهذه المراكز بمواصلة عملها حتى توفيق الأوضاع، ليضعنا وجهاً لوجه أمام سؤال أخلاقي وإداري موجع: هل تُمحى كلفة القرارات المتسرعة بقرار تدارك متأخر؟

لم يكن التحذير الذي أطلقناه في يونيو الماضي من مغبة القفز فوق الواقع اللوجستي والأمني للجامعات ترفاً نقدياً، بل قراءة لمؤشرات كانت تنذر بوقوع أزمة معيشية وأكاديمية طاحنة. فالجامعات ليست مجرد يافطة تعلّق على جدار، بل منظومة متكاملة تحتاج إلى بنية تحتية، ومياه، وكهرباء، وسكن، واستقرار نفسي وأمني. الإصرار المبدئي على الإغلاق القسري دون توفير البدائل الجاهزة أدى إلى استنزاف مادي ونفسي هائل للأسر السودانية التي تتوزع بين مخاوف الداخل وتكاليف الاغتراب. وحين تأتي التوجيهات الحالية لتصحح المسار وتمنح مهلة لتوفيق الأوضاع، فإنها تثبت أن الإدارة الرشيدة قادرة على الاستجابة لنبض الواقع، لكنها في الوقت ذاته تكشف فادحة البيروقراطية التي لا تتنبه لتداعيات قراراتها إلا بعد أن تقع الكارثة في جيوب الناس ومستقبل أبنائهم.

في التجارب الدولية المعاصرة لإدارة الأزمات التعليمية، مثل نماذج التعافي في بعض الدول التي شهدت اضطرابات هيكلية عميقة، لم تُدار عودة المؤسسات عبر صدمات القرارات الفوقية، بل جرى تبني سياسات انتقالية مرنة تُعرف بـ «الجسور المؤسسية». في رواندا وبعض دول البلقان، مُنحت مراكز التعليم المؤقتة والخارجية فترات انتقالية آمنة وممولة، بحيث تُبنى المقار الوطنية وترمم تدريجياً بينما تستمر العملية التعليمية بلا انقطاع، وبما يحمي حقوق الطلاب المالية والنفسية. التعاطي الناجح مع الأزمات لا يعاقب الضحايا على لجوءهم للبدائل وقت العاصفة، بل يستثمر في تلك البدائل كرافعة انتقالية نحو الاستقرار الدائم، لا كعقبة يجب إزالتها بجرّة قلم.

إن الخسارة الأكبر لا تكمن فقط في المال الذي دفعته مئات الأسر للحاق بقطار العودة الأول تحت وطأة التهديد بضياع العام الدراسي، بل في تآكل الثقة بين المواطن وصانع القرار حين تتحول سياسات التعليم إلى موجات متلاحقة من القرارات والتراجع عنها. صحيح أن التراجع عن الخطأ فضيلة، وأن استمرار المراكز لحين توفيق الأوضاع يمثل صمام أمان ضروري لمنع تفريغ الجامعات من طالبيها، لكن الصحيح أيضاً أن قطاع التعليم العالي لا يتحمل مزيداً من التجارب العشوائية التي تُدار بردود الفعل. إن توجيه رئيس الوزراء الأخير يفتح نافذة عقلانية للتصحيح، لكنه يفرض على الجهات المختصة التزاماً مضاعفاً بعدم تحويل الاستقرار المؤقت إلى ذريعة للجمود، وضمان ألا يدفع الطالب ثمن التخبط الإداري مرتين.

خلاصة القول، إن القرار الأخير يمثل اعترافاً ضمنياً بصعوبة العودة الفوقية في بيئة لم تكتمل شروط تعافيها، وهو تحول يستحق التقدير متى ما أُحسن توظيفه لبناء خطة انتقالية شفافة ومدروسة. لكن العِبرة الحقيقية لا تكمن في متى صدر التدارك، بل في قدرة الدولة على قياس أثر قراراتها قبل صدورها لا بعد تنفيذها.

فالقرارات الإدارية الكبرى لا تُقاس بصوتها العالي حين تُصدر، بل بقدرتها على حماية أرواح الناس ومستقبل أبنائهم دون هزات مدمرة. وحين تأتي الحكمة متأخرة بعد فوات الأوان، يظل السؤال معلقاً بلا جواب يريح الضمير: من يعوض أولئك الذين أُجبروا على عبور الجسر قبل أن يُعاد بناؤه؟

البُعد_الآخر |د. مصعب بريــر
musapbrear@gmail.com

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.