*لولا المنابر … كيف تُصنع الأوهام ؟… رسالة عتاب إلى قناة الجزيرة* بقلم✍️ السفير/ رشاد فراج الطيب
*لولا المنابر … كيف تُصنع الأوهام ؟… رسالة عتاب إلى قناة الجزيرة*
بقلم✍️ السفير/ رشاد فراج الطيب
![]()
لولا أبو الطيب الكندي ما امتلأت .. مسامع الناس من مدح ابن حمدان .
أو كما قال الصاحب بن عباد عن المتنبيء
صاحب الصيت واللسان الذرب المفوه في زمانه.
ولم يكن ذلك انتقاصًا من سيف الدولة ، بقدر ما كان تنبيهًا مبكرًا إلى خطورة المنبر حين يُسخَّر ، وقوة الكلمة حين تصنع مجدًا ، أو تمنح شرعية ، أو توهم الجماهير بما ليس حقيقةً مكتملة الأركان .
ومن هذا المعنى العميق ، تبرز اليوم أسئلة أخلاقية ومهنية موجعة ، لا يمكن تجاوزها بالصمت ، حول الدور الذي تلعبه قناة الجزيرة حين تتيح منابرها الإعلامية لقيادات مليشيا الدعم السريع المتمردة على الدولة السودانية وجيشها العتيد الباسل ، فتمنحهم مساحة الظهور ، وحق السرد ، وامتياز التبرير ، وكأنهم طرف سياسي مشروع ، أو قوة وطنية موازية لمؤسسة الجيش .
إن ما يجري في السودان ليس خلافًا سياسيًا بين أطراف مدنية متنازعة ، ولا تنافسًا مشروعًا على السلطة ، بل تمردٌ مسلحٌ صريح تقوده مليشيا خارج إطار الدولة ، ترفع شعارات إزالة الدولة نفسها ، وتستند إلى خطاب عنصري جهوي بغيض ، وتورّطت بشهادة المنظمات الدولية ، وتقارير الأمم المتحدة وشهادة العالم ، وصور الضحايا ، وأنين المدن المنكوبة والمحروقة في جرائم حرب ، وجرائم ضد الإنسانية ، وعمليات تطهير وتهجير وإبادة وتدمير ممنهج .
وفي مثل هذا السياق ، لا يعود الظهور الإعلامي تفصيلًا مهنيًا عابرًا ، بل يتحول إلى فعل سياسي وأخلاقي له تبعاته .
فالمنبر ليس محايدًا حين يساوي بين الضحية والجلاد ، ولا بريئًا حين يمنح من تلطخت أيديهم بالدماء فرصة تبييض صورتهم بلغة ناعمة ، أو سرد انتقائي ، أو مصطلحات مراوغة .
إن مليشيا الدعم السريع ليست حزبًا سياسيًا ، ولا حركة تحرر وطني ، ولا كيانًا قابلًا للمقارنة بالمؤسسة العسكرية السودانية مهما حاول الأعداء تغبيش صورتها أو التشكيك في أدائها أو تاريخها تظل مؤسسة دولة تقوم بواجبها الوطني وهي ذات شرعية دستورية وتاريخية ، تمثل آخر أعمدة الكيان الوطني في مواجهة التفكك الشامل والعدوان الغاشم .
والمساواة بينها وبين مجموعة متمردة في الخطاب
الإعلامي ليست “توازنًا” منصفا ، بل خللٌ مهني جسيم .
ما تفعله الجزيرة ، حين تفتح شاشتها لقيادات هذه المليشيا ، يؤذي أهل السودان قبل غيرهم ،
يؤذي أمهات القتلى ، ونازحي دارفور ، ومهجّري الخرطوم ، وأهل القرى التي أُحرقت في الجزيرة وكردفان ، والنساء اللواتي انتهكت حرماتهن ، والأطفال الذين شُرّدوا بلا ذنب .
يؤذي الضحايا حين يرون جلاديهم يتحدثون بلغة الضحية ، ويتقمصون دور المنقذين جالبي الديمقراطية والسلام
تحت أضواء الاستوديوهات !
وهو فعل غير مبرر أخلاقيًا ، لأن الصحافة قبل أن تكون مهنة هي موقف أخلاقي من الحقيقة ، وغير مبرر مهنيًا ، لأن المهنية لا تعني الحياد بين الحق والباطل ، ولا تعني تسوية القاتل بالقتيل ، ولا تعني إضفاء الشرعية الإعلامية على مشروع فوضوي هدّام .
لقد علّمنا درس المتنبي أن الكلمة تصنع المجد ، كما قد تصنع الوهم .
والإعلام ، حين يسيء اختيار من يرفعه إلى المنبر ، يصبح شريكًا ولو من حيث لا يريد في صناعة سردية زائفة ، وتاريخ مزيّف ، وشرعية مصطنعة .
وهنا لا بد من عتاب صريح لقناةٍ عُرفت دومًا بانحيازها لقضايا الأمة بل ولقضايا المظلومين في أصقاع الدنيا وعلي امتداد الوجود الإنساني : لا تكونوا أداة لمن يريدون إعادة كتابة الجريمة بوصفها سياسة ، والتمرد بوصفه ثورة ، والخراب بوصفه مشروع خلاص .
فبعض المنابر ، إن لم تُغلق أخلاقيًا ، تصنع من لا يستحقون أن تُسمع أصواتهم ، تمامًا كما صنع شعر المتنبي مجدًا تجاوز صاحبه .
والتاريخ كما الإعلام لا ينسى .
وفي ختام هذا المقال ، يفرض الواجب الأخوي عتابًا مسؤولًا موجّهًا إلى حكومة ودولة قطر الشقيقة ، التي ظلّ موقفها الرسمي المُعلن داعمًا لسيادة السودان واستقراره وسلامة شعبه وفي كل الظروف التي مر بها سابقا وحاضرا .
إن هذا العتاب لا يصدر إلا من موقع المحبة والتقدير لمواقف قطر الساطعة واياديها البيضاء ، بل من موقع المودة والاحترام ، ومن حرصٍ صادق على ألا تتحول مواقف الدعم السياسي إلى جرحٍ معنوي عميق بفعل سياسات إعلامية غير مبررة .
إننا نناشد الحكومة القطرية أن تتدخل لوقف هذا العبث المؤلم بمشاعر أهل السودان ، وأن تُعيد النظر بجدية في السياسة التحريرية الظالمة وغير المهنية وغير الأخلاقية لقناة الجزيرة والخاصة بتغطية اخبار السودان ، وبخاصة برنامج الجزيرة مباشر ، الذي تحوّل في هذا الملف تحديدًا من منصة إعلامية إلى منبر يمنح التمرد صوتًا ، ويُجرّح الضحايا مرتين مرة بالقتل والتشريد ، ومرة بتلميع الجناة القتلة.
فليس من الوفاء للسودان ، ولا من مقتضيات الدعم الأخوي ، أن يُترك الإعلام التابع لدولة شقيقة يضيف إلى جراح السودانيين جرحًا آخر ، ويهزّ ثقتهم في صدقية المواقف ، ويشوّه حقيقة ما يجري على أرضهم .
إن إيقاف هذا النهج ، أو تعديله تعديلًا جذريًا منصفًا ، ليس فقط مطلبًا سودانيًا مشروعًا ، بل واجبًا أخلاقيًا وإعلاميًا ومهنيا ، يحفظ لقطر مكانتها ، ويصون للجزيرة رصيدها المهني المحترم ، ويعيد الاعتبار للإعلام بوصفه شاهدَ حقّ ، لا شريكَ سردٍ زائف .
