*السودان وتحديات الوجود (3)* *”هندسة الانهيار: السودان بين البند السابع وصناعة القوات البديلة”* *سلمى حمد*
*السودان وتحديات الوجود (3)*
*”هندسة الانهيار: السودان بين البند السابع وصناعة القوات البديلة”*
*سلمى حمد*

ــــــــــــــــــــــــــ
توطئة:
في الجزأين السابقين تناولنا التغيير الديموغرافي والدور الفرنسي في دفع القبائل الرعوية نحو السودان، وفي هذا الجزء سنتتبّع المسار القانوني والسياسي للتدخل الدولي في دارفور بوصفه فاعلًا لا يمكن تجاوزه لفهم أسباب تداعيات المشهد الدارفوري وظروفه، وأثره الممتد وصولًا إلى الحرب التي يصطلي السودان بنارها اليوم.
القوات المسلحة: بين القيود والرقابة الدولية
لم يكن العام 2004 بداية التدخل الدولي في دارفور فحسب، ولكنه كان مدخلًا لتفاعلات وتحولات لن تنتهي بالحرب الحالية. فاعتبارًا من ذلك التاريخ تسللت أصابع المجتمع الدولي إلى الداخل ولم يعد يكتفى بدور الوساطة بين الفرقاء وتقديم المساعدات الإنسانية، بل تحوّل إلى فاعل مباشر أسهم في إعادة تشكيل البيئة القانونية والعسكرية والديموغرافية داخل الإقليم. فبموجب قرارات وقوات فرضها مجلس الأمن الدولي بالشراكة مع الاتحاد الأفريقي، أصبح السودان ممثلاً في قواته المسلحة خاضعًا لقيود ورقابة ومساءلة دولية.
سنحاول في هذا المقال توخّي الحقائق بتجرد وموضوعية لفهم ما جرى، مستعرضين كيف ساهم التدخل الدولي في تعقيد أزمة دارفور، وكيف لعب مجلس الأمن الدولي والاتحاد الأفريقي دورًا مباشرًا في حصار الجيش السوداني بالاتفاقيات والقرارات والرقابة الأممية التي وصمت تحركاته الدفاعية باعتبارها “خروقات أمنية” تخضع للمحاسبة والتدويل، وحدّت من قدرته العسكرية أمام حركات التمرد. وقد كشف الهجوم المباغت لحركة العدل والمساواة على الخرطوم عام 2008 عن مدى الإعاقة التي فرضتها القيود والقرارات الدولية التي شلت قدرة القوات المسلحة على الاستطلاع والعمل الاستباقي وإعادة الانتشار داخل دارفور.
وعلى الرغم من حشد القرارات والقوات، فشل التدخل الدولي في تحقيق أهدافه المعلنة بتفكيك التمرد ونزع سلاح الجنجويد، ولكنه أعاد تشكيل موازين القوى بطريقة قلّصت من قدرة المؤسسة العسكرية وأجبرتها على تبني ترتيبات أمنية بديلة أفضت إلى نشوء قوات الدعم السريع.
وعلى ذات النسق، لم يساعد التدخل الدولي أهل دارفور على استعادة أراضيهم، بل وطّن النازحين في المعسكرات، فأصبحت القرى والحواكير من نصيب مستوطنين جدد، وذلك بسبب سياسة Protection without Return (الحماية بلا عودة)، وأصبح التغيير الديموغرافي واقعًا بعد أن نشأت أجيال داخل المعسكرات وتكيفت مع واقع جديد.
والسؤال الجوهري هو: هل حارب التدخل الدولي الجنجويد فعلاً، أم أن ضغوطاته على القوات المسلحة أسهمت في تعزيز قوتهم ونفوذهم، ومنحتهم شرعية وعلاقات إقليمية ودولية؟
اتفاقية وقف إطلاق النار – إنجمينا 2004
أُبرمت اتفاقية إنجمينا في 8 أبريل 2004 بين حكومة السودان والحركات المتمردة (حركة العدل والمساواة وحركة تحرير السودان) برعاية الاتحاد الأفريقي، قضت الاتفاقية بإنشاء قوة ميدانية لمراقبة وقف إطلاق النار باسم AMIS، ووضعت قيودًا مشددة على تحركات القوات المسلحة، وجعلتها تحت مراقبة بعثة الاتحاد الأفريقي (AMIS).
القرار 1591: العقوبات وحظر الطيران
في 29 مارس 2005 اعتمد مجلس الأمن الدولي القرار 1591، الذي نقل مستوى التدخل الدولي من الوساطة إلى الوصاية وفرض الحظر، وأقر نظام عقوبات خاص بدارفور، واشترط الإخطار والموافقة المسبقة من لجنة العقوبات على أي قطعة سلاح أو ذخيرة تدخل إلى دارفور.
ورغم أن الحظر شمل نظريًا جميع الأطراف، فإن القوات المسلحة كانت عمليًا وحدها الخاضعة للإخطار والمساءلة. كما تم فرض حظر على الطلعات الجوية في دارفور، ما أفقد القوات المسلحة ميزة التفوق الجوي في مواجهة التمرد، وكُلِّفت بعثة يوناميد لاحقًا بمراقبة الخروقات.
اتفاق أبوجا 2006: المناطق العازلة وقيود الجيش
ثم جاء اتفاق أبوجا المعروف بـ “اتفاق سلام دارفور” (5 مايو 2006) بين حكومة السودان وحركة تحرير السودان، ومن أبرز بنوده دمج القوات وجمع سلاح الجنجويد والمليشيات الأخرى.
أضاف الاتفاق قيودًا جديدة وأنشأ مناطق عازلة حول معسكرات النازحين تمنع القوات المسلحة من دخولها، وقيد إعادة انتشار القوات المسلحة بجداول زمنية متفق عليها بعد إخطار مسبق وبعيدًا عن مناطق التماس مع حركات التمرد، وأصبح كل تحرك غير منسق يُصنّف خرقًا مباشرًا للاتفاق.
بعثة يوناميد: قيود جديدة وتفويض بالقوة
تصاعدت هذه الضغوط لتبلغ ذروتها بصدور قرار مجلس الأمن رقم 1769 في 31 يوليو 2007، الذي أقر فرض قوة عسكرية مشتركة بين مجلس الأمن والاتحاد الأفريقي “اليوناميد” بلغ قوامها نحو 25,987 عنصرًا، مما جعلها أكبر قوة ابتعثها مجلس الأمن آنذاك.
نص القرار 1769 صراحة على أن هدف بعثة اليوناميد هو دعم تنفيذ “اتفاق سلام دارفور” (أبوجا 2006). جاءت القوة مع تفويض تحت البند السابع (حق استخدام القوة)، وهو ما يعني أن الوضع في دارفور أصبح يُصنف كتهديد للأمن الدولي، وأن قرارات مجلس الأمن بشأنه أصبحت ملزمة، وأي مخالفة لها ستفتح الباب أمام عقوبات قد تصل إلى الردع العسكري.
كما أُسندت إلى قوات اليوناميد مهمة التحقق من أي نشاط عسكري داخل دارفور، وبذلك باتت كل خطوة للجيش (إعادة انتشار، عمليات استباقية، أو استعادة قرى) خاضعة لتوصيف دولي باعتبارها خرقًا للاتفاقيات الدولية ومقوِّضة للسلام العالمي. فوجدت القوات المسلحة نفسها مقيدة عمليًا في قدرتها على إدارة العمليات داخل إقليم يواجه تمردًا مسلحًا، ووقع السودان تحت وطأة ضغط سياسي وإدانة دولية مستمرة، بعد أن تحولت العمليات العسكرية الاعتيادية إلى تقارير دورية تُناقش في مجلس الأمن.
وبرغم أن اليوناميد كانت قوة عسكرية كبيرة العدد ومفوّضة باستخدام القوة لحماية المدنيين، إلا أنها حصرت مهامها عمليًا على حماية المدنيين داخل المعسكرات وتأمين المساعدات الإنسانية لهم، ولم تسعَ لفرض إعادة توطين النازحين في قراهم أو تأمين المواطنين في القرى التي لم تُهجّر بعد.
التدخل الدولي: المدخل إلى الحرب
أن متابعة هذه السلسلة من القرارات والنتائج تقودنا إلى أنه قد تم تصميم البيئة القانونية والدولية في السودان لتحقيق جملة من الأهداف:
استخدام التقارير الدورية لليوناميد كأداة ضغط سياسي في مجلس الأمن، بحيث يُجرَّم أي تحرك عسكري للقوات المسلحة ويُصنَّف كخرق للاتفاقيات، مما سيؤدي لفرض عقوبات إضافية على السودان.
تقييد حركة الجيش، وهو ما سمح للحركات المتمردة بالتمدد بينما الجيش محاصر بالقرارات الأممية والرقابة الدولية.
منع الجيش من دخول “المناطق العازلة” أدى إلى تحويل تلك المناطق إلى بؤر لتفريخ التمرد بعيدًا عن سلطة الدولة.
وللأمانة، لم يكن هناك نص صريح يمنع انتشار القوات المسلحة في دارفور، بل بيئة سياسية وقانونية دولية فرضت ذلك عمليًا؛ فكل تحرك للقوات المسلحة دون إذن من لجنة العقوبات في مجلس الأمن كان كفيلاً باستدعاء تدخل دولي أشدّ وأوسع نطاقًا.
الدعم السريع: ابن التدخل الدولي .
وأخيرًا، هل دفعت الدولة دفعًا إلى تجرّع السم بإنشاء قوات بديلة لتواجه حركات التمرد خارج القيود الدولية المفروضة عليها؟ لا سيما وأن المجتمع الدولي ومجلس الأمن أبديا مرونة وتساهلًا تجاه قوات الدعم السريع، ثم تمت شرعنتها عمليًا عبر تعاون الاتحاد الأوروبي والمحيط الإقليمي معها.
نواصل
