*حوارات حول الأفكار*..(184) ✍️ دحيدر معتصم مدني *تأملات حول مفهوم* *الإستقلال* (1-10)* *الإستقلال : ماذا أنجزنا..و* *ماذا لم نؤسس*..؟*
*حوارات حول الأفكار*..(184)
✍️ دحيدر معتصم مدني
*تأملات حول مفهوم* *الإستقلال* (1-10)*
*الإستقلال : ماذا أنجزنا..و* *ماذا لم نؤسس*..؟*

في مثل هذا اليوم ، قبل سبعين عامًا، رُفع علم السودان إيذانًا بانتهاء حقبة استعمارية طويلة، وبداية ما كان يُفترض أن يكون عهد الدولة الوطنية المستقلة. غير أن السؤال الذي تفرضه الوقائع اليوم – بحدّة لا تسمح بالمجاملة – ليس: كيف فشل السودان؟ بل: ما الذي لم يُؤسَّس أصلًا في لحظة الاستقلال؟
إن قراءة الاستقلال بوصفه حدثًا مكتملًا تقود حتمًا إلى خطاب احتفالي أجوف، بينما قراءته بوصفه خيانة تقود إلى بكائيات لا تُنتج وعيًا. أما القراءة المطلوبة اليوم، فهي قراءة ترى الاستقلال كلحظة انتقال سياسي بلا تأسيس بنيوي للدولة.
*إستقلال بلا تعريف للدولة* :
ورث السودان عند الاستقلال جهازًا إداريًا حديثًا نسبيًا، وحدودًا جغرافية مرسومة، ونخبة سياسية متعلمة، لكنه لم يرث – ولم يصنع – تعريفًا متوافقًا عليه للدولة.
هل الدولة جهاز حكم؟
أم تعبير عن الإرادة الجمعية؟
أم كيان محايد فوق الهويات والانتماءات؟
هذا السؤال الجوهري لم يُطرح بعمق، ولم يُحسم باتفاق وطني، بل جرى تجاوزه على عجل، وكأن الدولة مسألة تقنية تُدار، لا مشروعًا سياسيًا واجتماعيًا يُبنى.
السلطة قبل الشرعية :
منذ اللحظة الأولى، انصبّ الاهتمام على من يحكم، لا على كيف ولماذا وبأي مرجعية يحكم. وهكذا وُلدت السلطة في السودان سابقة على الشرعية، وتحولت السياسة إلى صراع على الحكم بدل أن تكون تفاوضًا على قواعده.
غياب المرجعية الدستورية التأسيسية، وغياب العقد الاجتماعي الجامع، جعلا كل سلطة لاحقة – مدنية كانت أو عسكرية – سلطة قابلة للطعن، ومهيأة للسقوط، وعاجزة عن إنتاج استقرار مستدام.
*الهوية المؤجلة.. التي عادت* *كسلاح*.
لم يكن التنوع السوداني مشكلة في ذاته، بل كان يمكن أن يكون مصدر ثراء وقوة. غير أن غياب مشروع وطني جامع حوّل الهوية من إطار تعايش إلى أداة صراع.
فالهوية التي لا تُدار بالحوار تتحول إلى أيديولوجيا،
والأيديولوجيا حين تُسيّس تتحول إلى سلاح.
ومن هنا، لم تكن الحروب والانقسامات انفجارًا مفاجئًا، بل نتيجة منطقية لتأجيل سؤال الهوية الوطنية، وإحالته إلى توازنات مؤقتة وهشّة.
*الدولة الغائبة.. أم الدولة التي* *لم تولد*..؟
كثيرًا ما يُقال إن أزمة السودان هي “غياب الدولة”، لكن الأدق – والأكثر إيلامًا – هو أن الدولة لم تكتمل ولادتها منذ الاستقلال.
ما وُجد هو سلطات متعاقبة، وأنظمة حكم، وأجهزة، لكن الدولة بوصفها:
مرجعية مشتركة
إطارًا جامعًا
ضامنًا للحقوق
وحكمًا بين المختلفين
ظلت فكرة مؤجلة.
ولهذا، فإن ما نعيشه اليوم ليس انهيار دولة مستقرة، بل انهيار وهم استمر عقودًا.
لماذا نعود إلى الاستقلال اليوم؟
العودة إلى لحظة الاستقلال ليست حنينًا إلى الماضي، ولا محاكمة لأجيال سابقة، بل محاولة لفهم جذر الأزمة. فالأخطاء التأسيسية التي لم تُراجع تحولت مع الزمن إلى بنية عميقة تحكم الواقع، وتعيد إنتاج الفشل بأشكال مختلفة.
إن التفكير في الاستقلال اليوم هو تفكير في المستقبل، لا في التاريخ.
*نحو أفق مختلف :من* *السياسة إلى المجتمع*.
هنا تبرز الحاجة إلى مسار موازٍ للمسار السياسي المأزوم، مسار يُعيد الاعتبار للأسئلة المؤسِّسة خارج منطق الصراع على السلطة. مسار يبدأ من المجتمع، لا من النخب المتصارعة، ويعيد بناء المفاهيم قبل الترتيبات.
في هذا السياق، يأتي مركز الخرطوم للحوار كمحاولة لاستعادة ما غاب منذ لحظة الاستقلال:
فضاء وطني للحوار العميق حول الدولة، والهوية، والشرعية، والعيش المشترك، بعيدًا عن الاستقطاب الأيديولوجي والمصالح الآنية.
ليس بوصفه بديلًا للدولة، ولا منافسًا للسياسة، بل شرطًا معرفيًا وأخلاقيًا لإعادة تأسيسهما.
*خاتمة مفتوحة* :
في الذكرى السبعين للاستقلال، لا نبحث عن إجابات جاهزة، بل عن الأسئلة الصحيحة التي تأخرنا كثيرًا في طرحها.
فالأمم لا تنهض بالاحتفال بالماضي، ولا بالبكاء عليه، بل بالشجاعة على مراجعته، وبالقدرة على تصحيح مساره.
وهذه السلسلة ليست استدعاءً للتاريخ، بل تمهيدًا لحوار وطني مؤجل… آن أوانه… نواصل.
7ديسمبر 2025
