محمد طلب يكتب : *المفاجآت خلقت يوم استثنائي*
محمد طلب يكتب :
*المفاجآت خلقت يوم استثنائي*

في هذه الايام ربما يأخذ عنواني خيال القارئ الكريم نحو احتفالات (راس السنة) لكن سنواتنا الفائتة سنوات حرب ودمار و رعب وموت وفناء ايام وشعور تمر كئيبة وحزينة والسنة نفسها خلال سنوات الحرب الثلاثة (ما عرفنا راسا من قعرا) وما بينهما ايامها كلها متشابه لونها احمر قاني دماء و دموع …
بيوتنا السودانية في حياتنا العادية قبل الحرب يحفها الصمت وشيء من الجفاف الظاهر او الحياء العاطفي .. او لا أدري كنهه.. أهو جفاف لا علاقة له بقلة الحب ام بفرط الحياء منه؟؟!!
الحب عندنا كثيف، عميق،
يتخفى في الأفعال الصغيرة لا في الكلمات، في التعب، في الصبر و في الاحتمال الطويل….
نعم نحب أهلنا أكثر مما نقول و نصرح بذلك و أقسى ما في الأمر أننا نكاد لا نقول شيئاً لمن نحبهم .. و نادراً ما ترى ابناً يقبل رأس أبيه أو أمه أو يمسك أيديهما علناً بفخر و دون حياء .. ونادراً ما تُقال الكلمات التي تُقال في الدواخل نحبكم… نشكركم… وجودكم نعمة….
كأن التعبير عندنا فعل زائد لا قيمة له أو ترف لا يليق بالرجولة أو شيء يُؤجل حتى فوات الأوان .. نعيش الحب .. لكننا لا نحتفل به و لانعبر عنها ليظل حبيس الدواخل .. وعندما نفقد الاحباء يُترجم ذلك في شكل بكاء و(جعير) غريب .. اظنها عمليات تفريغ عظيمة لكنها غير مجدية للراحلين ولا تنفعهم …
من هنا ربما تأتي قيمة المفاجآت الصغيرة لا بوصفها مظاهر بل كنوع من الاعتراف المتأخر .. لا يحسه سوي من يصنعون التغيير في نمط الحياة .. وكسر الحواجز الوهمية التي يخلقها المجتمع .. فنحن ابناء المجتمعات الرعوية التي ما زالت ثقافتها تقودنا ونحن في زمن الذكاء الصناعي والخوارزمات…
في إجازة من غربة عدت لبلدي مكتسباً ثقافات جديدة عاشرت فيها اجناس كثيرة.. و ذات مساء في تلك الاجازة خرجت من البيت بلا إعلان ذهبت إلى العاصمة الخرطوم لا لأمر عاجل .. بل لرغبة خفية في أن أقول شكراً بطريقة مختلفة و غير معهودة في حياة السودانيين من جيلي ومن سبقوني .. ذهبت لاسواق الحلويات
اشتريت تورتة كبيرة جداً اكبر مقاس وجدته وكيكاً وبعض الحلويات و الفواكه ومشروبات و شموع
تفاصيل بسيطة ، لكنني كنت أعرف أن الأشياء حين تُرتب بنية صافية تصبح أكبر من أثمانها و اعظم قيمة ..
أخبرت بعض القريبات من الدرجة الاولي همساً
ان يحضروا العاشرة مساء لبيتنا لامر ضروري لم أشرح
فبعض المعاني والمفاجأت تفسدها الشروحات.. و تركت الرجال خارج الدائرة ليس إقصاءً بل حفاظاً على هشاشة اللحظة .. وخوفاً من سخرية الالسن فالامر غريب علي مجتمعنا وغير معهود في بيوتنا…
و حين عدت كان البيت ممتلئاً بالانتظار النسوة في( الهول) و التخمين يدور حول مناسبة هذه (التورتة) .. اغلبهم ظن انه عيد ميلاد احد الاطفال او
شيء يشبه تلك الأيام و (حنكشتها)
أبي رحمه الله كان نائماً ..
أيقظته كما يُوقظ المرء ذاكرة جميلة.. ولم نعتد ان نوقظه فحسب ان هناك امر جلل.. هدأت من روعه ..
وكنت قد طلبت من الفتيات أن يكون الضوء خافتاً ..كأننا نستدعي زمناً كاملاً ليجلس معنا.. و قلت للصغار حين يدخل والدي صفقوا و للسيدات ان يزغرد بعضكن .. دعوا الزغاريد و الشموع تسبق الكلمات فبعض الحقائق لا تحتاج مقدمة.
دخل أبي( رحمه الله) صفق الجميع وفي التصفيق كان هناك شيء يشبه الاعتراف المتأخر من الابناء والاحفاد
قلت بهدوء:-
*اليوم نحتفل بخمسين عامًا من زواج الوالد بالوالدة*
صفق الجميع مرة اخري وبحماس اكبر و دهشة اعظم وكلمات غير مفهومة احسها الجميع فقد كانت مفاجأة
لحظة قصيرة ثم رأيت في عيني ابي تلك الدهشة النقية
دهشة من عاش عمره يؤدي واجبه بصمت وصبر
دون أن يلتفت إلى أنه كان يصنع بطولة يومية علي مدي حياته ويقدم عمره لنا
ابتسم وقال:-
*دي شنو الحركات دي؟*
و كانت ابتسامته ابتسامة رضى لا اعتراض ابتسامة رجل فهم فجأة أن عمره لم يمر سدى .. أمي كانت تبتسم بصمت ذلك الصمت الذي لا يُفسر .. الصمت الذي تعرفه النساء حين يمتلئ القلب أكثر مما يحتمل الكلام….
كانت أمسية عادية في شكلها استثنائية في معناها
لم تخطر على بال أحد من كل الحضور و لا حتى على بال من احتُفي بهما.
سعد الجميع بذلك اليوم
ضحكنا تبادلنا الطُرف و الذكريات في حياة العائلة
وكان الزمن في تلك الليلة
أخف من عادته ومرت الساعات البهيجة لم تكن مناسبة عظيمة في شكلها
لكنها كانت عظيمة في معناها مفاجأة لم تخطر على بال أحد ولا حتى على بال من عاشاها….
إلى من يقرأ مقالي:-
الحب لا يكفي أن يُعاش في الخفاء بعضه يحتاج أن يُرى في مظاهر احتفاء ، أن يُقال في كلمات صادقة و أن يُحتفل به …
فلا تؤجلوا الاعتراف .. بعد هذه الحرب اكسروا الحواجز ..اصنعوا التغيير .. ولا تبخلوا على من صنعوا أعماركم بلحظة صادقة معبرة
لو سالوني الان عن اجمل لحظة في حياتي واكبر انجاز لما ترددت في قولي كانت تلك السويعات .. اللهم ارحم ابي و والدي المربي الجليل واسكنه الفردوس .. و اسعد امي و والدتي والبسها ثوب العافية ومتعها بعمرها لاخرتها .. واجلب السلام والمحبة لكل اهل بلادي السودان
سلام
محمد طلب
mtalab437@gmail.com
3/1/2026
