منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

حــدود المنطق.. *تسريبات حلِّ مجلس السيادة.. جسُّ نبض، أم مغامرة بتماسك الدولة؟..* إسماعيل جبريل تيسو..

0

حــدود المنطق..

 

*تسريبات حلِّ مجلس السيادة.. جسُّ نبض، أم مغامرة بتماسك الدولة؟..*

 

إسماعيل جبريل تيسو..

اسماعيل جبريل تيسو 2

 

ينتابني قلقٌ وانزعاج كبير وأنا أتابع الأحاديث المتداولة في مجالس المدينة التي لم تعد مجرد همس عابر، بل تحولت إلى تسريبات شبه منتظمة تتحدث عن ترتيبات محتملة لحل مجلس السيادة الانتقالي، ولا تكمن خطورة هذه التسريبات في مضمونها فقط، بل في توقيتها وطريقة بثها فهي، في ظاهرها، تبدو كمعلومة مسرّبة، لكنها في عمقها قد تكون أداة سياسية مقصودة لجس نبض الشارع، وقياس ردود الأفعال قبل الإقدام على أي خطوة رسمية، وغالباً ما تلجأ الجهات التي تقف خلف مثل هذه التسريبات إلى هذا الأسلوب عندما تكون مدركة لحساسية القرار وتداعياته، فتختبر المزاج العام، وتراقب مواقف النخب، وتتحسس اتجاهات الرأي العام، بل وتحاول أحياناً تهيئة البيئة النفسية لتقبّل القرار أو تمريره بأقل قدر من المقاومة، وفي حالات أخرى، قد يكون التسريب نفسه جزءاً من صراع مراكز قوى، أو محاولة لإرباك المشهد، أو لإرسال رسائل ضغط داخلية وخارجية، بما يحقق مكاسب سياسية لمن أطلقه، حتى إن لم يُتخذ القرار فعلياً.

ولعل خطورة التفكير في حل مجلس السيادة في هذا التوقيت تحديداً تكمن في أن البلاد تقف عند منعطف حاسم من عمر الحرب، فالتمرد، وفق المعطيات الميدانية، انحصر في جيوب محدودة بإقليمي كردفان ودارفور، وتتعامل معه القوات المسلحة والقوة المشتركة والقوات المساندة لها ضمن مسار يبدو أقرب إلى خواتيم المواجهة لا بداياتها، وفي المقابل، بدأت بعض مناطق البلاد تلتقط أنفاسها، وتتعافى تدريجياً من آثار الحرب المدمرة، وتحتاج إلى حد أدنى من الاستقرار السياسي والمؤسسي حتى تكتمل عملية التعافي، وبالتالي فإن أي قرار يهز قمة هرم السلطة الانتقالية في هذه اللحظة قد يبعث برسائل سالبة للداخل والخارج، ويعيد إنتاج حالة السيولة وعدم اليقين، وربما يفتح الباب واسعاً أمام فراغ سياسي أو صراعات جديدة لا تحتملها البلاد بعد كل ما عانته.

لقد لعب مجلس السيادة، رغم كل ما أُخذ عليه، دور صمام الأمان في الحفاظ على تماسك الدولة ووحدة البلاد خلال واحدة من أخطر الفترات في تاريخ السودان الحديث، وقد شكَّلت تركيبة مجلس السيادة أهمية كبرى لكونها تمثل بصورة أو بأخرى، تنوع السودان الجغرافي والاجتماعي والسياسي، ما جعله مظلة جامعة في زمن التشظي، وعلى الصعيد الخارجي، اضطلع عدد من أعضاء مجلس السيادة بدورٍ نشط في مخاطبة الإقليم والعالم، وتنوير المجتمع الدولي بحقيقة ما يجري في السودان، وكشف طبيعة المخطط الذي يستهدف تفتيت البلاد، والاستيلاء على ثرواتها، وإحداث تغيير ديمغرافي عميق في بنيتها الاجتماعية، وأما على الصعيد الداخلي، فقد تحرك أعضاء آخرون داخل المجلس في جولات ميدانية شملت عدداً من الولايات، سعياً لتثبيت المواطنين وطمأنتهم، ونقل رؤية الدولة لمرحلة ما بعد الحرب، أو عبر توفير المعينات والدعم الإنساني في لحظات شديدة القسوة، لقد منح هذا التوازن بين الحراك الخارجي والعمل الداخلي، الدولة حدّاً معقولاً من التماسك في وقت كانت فيه مؤسسات كثيرة على شفا حفر من نار الانهيار.
ما
وثمة حقيقة لا يمكن إغفالها تتمثل في التصريحات التي ظل يقول بها رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، والذي أكد في أكثر من مناسبة التزامه بحماية الفترة الانتقالية وصولاً إلى الانتخابات والتحول الديمقراطي، فإذا ارتكزنا على هذه التصريحات، فإنها تُفضي منطقياً إلى ضرورة استمرار مجلس السيادة بشكله الحالي حتى تسليم السلطة إلى حكومة منتخبة، باعتباره الإطار الدستوري والسياسي الذي أدار البلاد في زمن الحرب، بل إن الضرورة تتطلب الإسراع في استكمال مؤسسات الحكم وأجهزته المختلفة بتكوين البرلمان، والمجالس التشريعية بالولايات، واستكمال المحكمة الدستورية، وبقية المفوضيات، إذ تمثل هذه المؤسسات القلب النابض لدولة العدالة وحكم القانون، وبالتالي، فإن الإقدام على خطوة حل المجلس أو إعادة تشكيله في هذا الظرف الحرج يحمل مخاطر استراتيجية جسيمة، لأنه قد يقوّض ما تبقى من استقرار مؤسسي، ويُضعف جبهة الداخل، ويبعث بإشارات ارتباك في لحظة تحتاج فيها البلاد إلى أوضح ما يكون من رسائل مفادها: أن الدولة ثابتة، وأن الانتقال ماضٍ، وأن أي تغيير جذري يجب أن يتم في سياقه الطبيعي، لا تحت ضغط التسريبات، أو أي محاولة لتصفية حسابات.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.