*مليشيا الدعم السريع غاضبة لأن العالم لم يصفّق لها* نور الدين صلاح الدين
*مليشيا الدعم السريع غاضبة لأن العالم لم يصفّق لها*
نور الدين صلاح الدين

15 يناير 2026م
انعقد في القاهرة الاجتماع الخامس للآلية التشاورية لتعزيز وتنسيق جهود السلام في السودان، وخرج بموقف واضح عبّرت عنه الغالبية العظمى من المشاركين، يتمثل في رفض أي ترتيبات تؤدي إلى شرعنة التشكيلات المسلحة الموازية أو مكافأتها سياسياً.
هذا الموقف، الطبيعي والمتسق والمتوقع، بدا صادماً لمليشيا الدعم السريع، التي سارعت إلى إصدار بيان غاضب وصفت فيه مخرجات الاجتماع بأنها “مخيبة للآمال”، واتهمت “الرؤية المصرية” بالانحياز للجيش، وأضافت بثقة لافتة أنها “لا تحتاج إلى اعتراف دولي”.
بدايةً، من الضروري وضع الأمور في نصابها الصحيح، فموقف رفض التشكيلات الموازية لا يخص جمهورية مصر العربية، ولا هو نتاج رؤية أحادية.
بل هو موقف عبّرت عنه صراحةً الأمم المتحدة، والاتحاد الإفريقي، والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة الأمريكية، والمملكة العربية السعودية، والجمهورية التركية، ودولة قطر، وغالبية الأطراف الإقليمية والدولية المشاركة.
وبعبارة أدق فإن هذا موقف المجتمع الدولي، لا بيان وزارة خارجية واحدة.
ويعود هذا الإجماع الدولي إلى أسباب واضحة لا تحتاج إلى تنظير طويل:
– سياسياً: لا توجد دولة أو منظمة مسؤولة تقبل بتطبيع فكرة وجود جيوش متعددة داخل الدولة الواحدة.
– أمنياً: لأن التشكيلات الموازية تعني انهيار احتكار الدولة لاستخدام القوة، واستدامة العنف، وتحويل أي عملية سلام إلى مجرد هدنة مؤقتة قابلة للانفجار.
– إنسانياً: لأن سجل هذه المليشيا في الانتهاكات ” من القتل الجماعي، إلى الاغتصاب، إلى التهجير القسري، وتدمير المدن ” يجعل أي محاولة لشرعنتها بمثابة مكافأة مباشرة على الجرائم.
– أخلاقياً: لأن السلام لا يُبنى على تبييض السلاح، ولا على مساواة الضحية بالجلاد تحت شعار “الواقعية السياسية”.
أما حديث المليشيا عن أنها “لا تحتاج إلى اعتراف دولي”، فهو يصلح مادة دراسية في إنكار الواقع السياسي.
فالاعتراف الدولي ليس مجاملة دبلوماسية، بل شرط أساسي لأي كيان يدّعي الحكم أو السيطرة. وبدونه لا توجد علاقات دبلوماسية، ولا وصول إلى النظام المالي العالمي، ولا تعامل مصرفي، ولا مساعدات، ولا قدرة على توقيع اتفاقات، أو إدارة موارد، أو فتح معابر أو أجواء.
والأهم أن الاعتراف الدولي لا يُمنح لمن يفرض نفسه بالقوة وحدها، بل لمن تتوفر فيه شروط الحد الأدنى من الشرعية، والسيطرة المؤسسية، والالتزام بالقانون الدولي الإنساني.
ولهذا تحديداً ستتجنب غالب الدول والكيانات الإقليمية والقارية والدولية منح هذا الاعتراف لمليشيا الدعم السريع، لأن كلفته السياسية والقانونية والأخلاقية أعلى من أي مكسب محتمل، ولأن الاعتراف بمليشيا متورطة في جرائم واسعة النطاق يعني فتح باب فوضى لا يمكن التحكم في تبعاتها، داخل السودان وخارجه.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل التحية المستحقة لكل السودانيين، وللقوى السياسية والمدنية، التي وقفت بوضوح ضد مشروع تسييل الدولة السودانية، وضد المشروع السلطوي والدموي لمليشيا الدعم السريع.
فهذه المواقف لم تكن ضجيجاً إعلامياً، بل عملاً منظماً شمل حملات مخاطبة للإقليم والعالم، وتفكيك السرديات الزائفة، وتوثيق الانتهاكات، وربطاً منهجياً بين خطاب المليشيا وممارساتها الإجرامية على الأرض.
وقد بدأت نتائج هذا الجهد تظهر بوضوح، مع تنامي الإدراك الدولي لطبيعة هذه الحرب، ولحقيقة أن السلام لا يمر عبر شرعنة المليشيات أو مكافأتها، بل عبر حوار سوداني سوداني يفضي إلى توافق وطني، وبناء دولة المؤسسات والقانون، وربط ذلك بمسار انتقالي جاد نحو الحكم المدني.
أما غضب المليشيا من اجتماع القاهرة، فليس دليلاً على انحياز أحد، بل دليل على أن العالم ” أخيراً ” قرر ألا يصفّق لمشروع فوضوي، مهما علا صوته أو كثرت بياناته.
